Make your own free website on Tripod.com
 
     
 
 

الوحدة العربية..و أسئلة القرن الجديد

 

بقلم : دكتور صفوت حاتم

 

 

1 - عندما نجح  " جمال عبد الناصر "  في تحقيق أول وحدة عربية بين إقليمين عربيين هما مصر وسوريا  عام 1958 كان يعلم أن المعركة مع أعداء الوحدة العربية في الداخل والخارج قد بدأت  . فمع هذه الوحدة  بدا الحلم الذي طال إنتظاره وكأنه قد أصبح قابلا للتحقيق في النهاية . فقد بدأت الأنظمة المعارضة للمشروع النهضوي العربي في الإنهيار , فسقط الحكم الشمعوني في لبنان وسقطت المملكة الهاشمية في العراق وبدا أن هناك إتجاها قويا داخل " الضباط الأحرار "  العراقيين الذين قاموا بالثورة يضغط بإتجاه  الإلتحاق السريع بدولة الوحدة الناشئة والتي كان من نتائجها المباشرة نزول القوات الأمريكية في لبنان والقوات البريطانية في الأردن بعد أن إجتاحت عمان وبيروت مظاهرات عارمة يلهبها حلم الوحدة الذي فجره عبد الناصر  . وقد قدرت وكالات الأنباء آنذاك " رويتر " و " الأسشياتوبرس " أن عدد اللبنانيين الذين قصدوا بيروت بإتجاه دمشق التي كان يزورها الرئيس عبد الناصر قد وصل إلى نصف مليون , أي أن نصف لبنان قد شارك واقعيا في مواكب الرحلة إلى دمشق خلال فترة لاتزيد على أسبوعين . من ناحية أخرى تأججت الثورة في الجزائر وبدت الأمور آنذاك -  وكأننا نسير نحو النصر النهائي للمشروع العربي الذي بدأت ملامحه قريبة تداعب الخيال الشعبي . أن الوحدة المصرية السورية وقيام الجمهورية العربية المتحدة كشف بشكل فجائي وصاعق  عن  جوهر المشروع النهضوي العربي , أي الوحدة العربية , وكشف في ذات الوقت   عن أعداء   هذا المشروع ,  الخارجيين والمحليين .       ( إستطاع محمد حسنين هيكل ان يكشف بالوثائق حالة الهوس والجنون التي إنتابت هذه القوى بعد إعلان الوحدة المصرية السورية عام 1958 في كتابه الممتاز " سنوات الغليان ) .

2 - لقد أدركت القوى المعادية للأمة العربية - من ناحيتها - المعنى التاريخي العميق للوحدة العربية وإمكانياتها على توازنات القوى العالمية ومستقبلها . فصراعات القوى الكبرى كان - ولا زال - يدور حول هذه المنطقة بالذات . ولقد أكسب ظهور النفط فيها لهذا الصراع بعده المستقبلي . فالنفط سيظل وحتى إشعار آخر هو العامل القادر على التحكم في مستقبل القوى العظمى وتطورها التكنولوجي والحضاري .

لذلك لم يكن  غريبا أن يعتبر بعض المفكرين العرب أن أكبر إنتكاسة لحقت بالمشروع النهضوي العربي  المعاصر هو إنفصال الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة ( سوريا ) عن الإقليم الجنوبي ( مصر ) . ولم تكن الهزائم العسكرية أمام العدو الصهيوني سوى " تجليات " لهزيمة المشروع الوحدوي بالإنفصال عام 1961.

والمعروفالآن  أن بعض  دوائر الحكم في مصر  كانت قد أخذت في  تحميل " عبد الناصر " شخصيا مسئولية " المغامرة الوحدوية " وتلقي عليه باللوم .

ولكن الشيئ الذي لم يكن محل تحليل معمق حتى هذه اللحظة هو  رد فعل  " عبد الناصر " نفسه  على ضربة الإنفصال .

يذكر "  محمد حسنين هيكل " - مثلا -  أن الرئيس  " عبد الناصر " وصف شعوره - آنذاك - كوضع قبطان وجد سفينته وقد إنشطرت الى نصفين وهي في وسط البحر , وأنه قضى أياما طويلة يراجع نفسه , ويستذكر تفاصيل تجربة الوحدة وآمالها ومشاكلها . كان شعوره الداخلي أن التجربة جاءت قبل الأوان و ولم يكن لها أساس موضوعي صلب لتحقيقها في هذا الوقت بالذات و ومع ذلك فقد حدث أنها قامت وكان الحرص عليها واجبا . وكان يراوده إحساس بأن الإحتفاظ بالوحدة مهما كانت الظروف كان يمكن أن يعرض سوريا لضرورات أمن لم يكن على إستعداد لها وإلا وقع الضرر بهدف الوحدة نفسه . ( سنوات الغليان , ص 591 ).

ما الجديد في مسألة الوحدة العربية ؟

3 - ومنذ ذلك التاريخ  , كتبت آلاف الكتب والمقالات وعقدت مئات الندوات والمؤتمرات لدراسة موضوع الوحدة العربية , تبحث في المعوقات والعقبات , وتقترح الحلول والسياسات , وتتصور الأساليب والطرق .

ولكن بالرغم من كل هذه الجهود فإننا  لم نتقدم خطوات كثيرة بإتجاه الوحدة . على العكس تدهور الوضع العربي كثيرا منذ هذا الإنفصال المشئوم وبعدنا عن كل صور التضامن العربي إلى أشكال مروعة من الصراعات  الإقليمية والطائفية والقبلية التي كانت حرب الخليج الثانية وما أستخدم فيها من عنف " مجاني " هو   أحد مظاهرها الساخرة   .

مالذي يمكن أن "  تكتشفه " - إذا -  دراسة جديدة عن الوحدة العربية ؟

ومالذي يمكن أن تضيفه  دراسة أخرى الى آلاف الدراسات والكتب المتخصصة  التي كتبت عن موضوع وجوانبها المختلفة : فهناك آلاف الدرسات عن   دور الإقتصاد والتكامل الإقتصادي  أوالعامل الثقافي أوالعامل الحضاري أو دور الأبنية  السياسية  القطرية أو تأثير  اللغة العربية ومخاطر اللهجات والعاميات الدارجة   أومشاكل الصراع الإقليمي.. الى آخره  ؟

مهمة صعبة ومستحيلة .

4 - لذلك  لا يبدو منطقيا أن نتكلم عن الوحدة العربية  الآن بنفس الخطاب الذي كان سائدا في الخمسينات والستينات.  فقد كانت الأوضاع السياسية والفكرية السائدة - آنذاك - تشهد حالى صعود لنظام إقليمي عربي قوامه الفكري الإيمان بالوحدة العربية وقوامه السياسي مواجهة الإستعمار ورفض الأحلاف , وقوامه الإجتماعي التنمية المستقلة والعدالة الإجتماعية , وقوامه الطبقي الفئات الكادحة والمسحوقة من الجماهير العربية وقوامه التحرري كان تحرير فلسطين من القبضة الصهيونية . ورغم أي تراجعات أو تذبذبات في هذا المشروع العربي , فلإننا لا يمكن أن ننكر أن السعي لتحقيق هذه الأهداف كان مشروع المستقبل للعرب خلال الخمسينات والستينات .

لكن  تبدل الحال بشكل جذري بعد وفاة عبد الناصر وبشكل يصعب تصديقه .  فموجة العداء للغرب أفسحت المجال لسياسات وأقوال ترى في الغرب " المخلص " للعرب من كل مشاكلهم وأولها مشكلة الصراع العربي الصهيوني التي حكمت المنطقة وتوجهاتها في الحقبة الناصرية على نحو حاد , وهكذا أصبح للغرب 99 في المائة من أوراق حل المشكلة كما عبر عن ذلك الرئيس السادات الذي قاد هذا التحول الرهيب في حياة الأمة العربية . وبعد أن كانت سياسة الموالاة للغرب تمارس سرا من بعض الأنظمة العربية , تحول الأمر الى سياسات تؤيد الغرب علنا , وإنتشرت مع التعاظم المفاجئ والفج في الثروة النفطية , موجة من المتاجرات والمضاربات المالية , وكشف العالم العربي مرة أخرى عن وجهه المحافظ في السياسة والفكر والدين والثقافة.

5 - إن  المحافظة السياسية والفكرية التي عرفتها مصر بعد  غياب عبد الناصر ستتخطى حدود مصر  لينزلق فيها العالم العربي كله  . حتى الأقطار  التي كانت  ترفع شعارات وواجهات  " يساروية "  في العراق وسوريا وليبيا والجزائر واليمن الجنوبي ( قبل الوحدة مع الشمال )  والمقاومة الفلسطينية , ستتحول عن هذه " الراديكالية " لتصبح  سياسة مغازلة الغرب نهجا كاملا ومسيطرا  في السياسة العربية الرسمية . ثم  لن تلبث أن تلتحق بهذه السياسة  قطاعات من النخبة المثقفة التي رأت أن عجلات الزمن  تدور في الإتجاه المعاكس , خصوصا بعد أن إنهار المعسكر الإشتراكي إنهيارا مدويا صحبه وماتبعه من إحساس عارم  بالخزي من هشاشة البناء الذي شيدت عليه أول تجارب البناء الإشتراكي في التاريخ والسهولة  العجيبة التي أنهار بها .

أسئلة القرن الجديد

6 - يدخل العرب  - إذا - القرن الجديد في ظل أوضاع جديدة ومخالفة عما كان سائدا  - ومتوقعا -  خلال بداية الخمسينات والستينات .

هذا القرن الجديد يطرح على العرب إسئلة جديد حول المستقبل من نوع. وهي أسئلة تهم النخبة العربية المهمومة بالمستقبل العربي كوحدة واحدة وليس كوحدات متفرقة في أقطار متعددة ومتنافرة في مصالحها .

وهي أسئلة موجهة للنخب العربية  المؤمنة بمسألة الوحدة العربية , دون سواها . فلسنا معنيين  - في هذه الدراسة - بإقامة ألف دليل ودليل على ضرورة الوحدة العربية لغير المؤمنين بها مهما كانت عقلانية  أسبابهم النظرية أو صلابة مواقفهم السياسية  !!

السؤال الأول : وحدة عربية في ظل هيمنة أمريكية ؟

7 - لقد دأب الفكر السياسي التقليدي على الكلام عما سمي "  حقبة التوازن الدولي " خلال حقبة الحرب الباردة . ولكن التحليل السياسي الجاد يفرض على الباحث السياسي كثير من الحرص والحذر في استعمال الألفاظ . فحقيقة الأمر أنه لم يتواجد قط هذا النوع من  " التوازن "  بين القوتين العظمتين خلال حقبة الحرب الباردة .

لقد  كشفت أزمة خليج الخنازير عام 1962 (  بسبب نشر الصواريخ الروسية سرا في كوبا ) وما تبعها من إنكسار للموقف السوفييتي أمام الضغوط الأمريكية  عن حدود التوازن الدولي الذي تمشي علي  مساحته  الضيقة حركات التحرر الوطني  .

ربما كان أول من عبر عن  " خيبة الأمل " في هذا التوازن هم ضحاياه الحقيقيون .

8 - لقد كان " تشي جيفارا " بصراحته  الثورية هو أول من عبر عن " خيبة أمله " في التوازن بين القوتين العظمتين . ففي خطابه الذي ألقاه في الجمعية العامة للأمم المتحدة في يناير / كانون الأول 1964  ألمح أنه قد بدأ يفقد ثقته بالحلول السلمية بما فيها المواثيق والإتفاقات التجارية والمحادثات والعون الأجنبي . فهذه لن تحل الصراع بين الغني والفقير .

 لقد  جعل  " جيفارا "  من نفسه لسان حال شعوب العالم الثالث عندما أعلن في هذا الخطاب : " ان التعايش السلمي بين الأمم لا يشمل التعايش بين المستغلين ( بكسر الغين ) والمستغلين ( بفتح الغين ) بين المضطهدين والمضطهدين " .

 كانت هذه العبارة هجوما صريحا على المحاولة الروسية الجديدة لتحقيق " تعايش سلمي " مع الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن جعل " كنيدي " " خروتشوف " يتنازل عن موقفه ويسحب الصواريخ من كوبا .

ولقد طور " جيفارا " فكرته عن " التوازن الدولي " وحدوده الضيقة بصورة أكثر قوة في مؤتمر التضامن الأفرو اسيوي  الذي عقد في الجزائر في شباط / فبراير عام 1965 والذي هاجم فيه السياسة الروسية بصورة مباشرة , مسببا الإرتباك للحكومة الكوبية والحنق للروس الذين شعروا بأنهم سبق لهم أن قدموا الكثير لكوبا وأنه لا مبرر أن توجه لهم الإهانات .

9 - ولكن " جيفارا " الذي كان محكوما " بالمنطق الثوري " لم يكن مستعدا للتضحية بهذا  " المنطق " لمجاملة الروس. فحتى الروس كان عليهم ان يعلموا انه لا توجد منه في تقديم العون للشعوب المتحررة . وأعلن " تشي  جيفارا " ان من واجب البلدان الإشتراكية أن تصفي علاقاتها الضمنية مع الأمم الإستغلالية في الغرب " . فالبنسبة " لتشي " لم يكن هناك من تحديد للإشتراكية سوى إزالة استغلال الإنسان للإنسان . فليس بوسع أي بلد أن يشيد الإشتراكية بدون أن يساعد جميع البلدان على بناء الإشتراكية ومهاجمة الإمبريالية "

وأعلن  " جيفارا " :

: " ليس هناك من حدود لهذا " الصراع حتى الموت " ولا نستطيع أن نبقى لا مبالين في وجه ما يحدث في أي جزء من العالم . ان انتصار أي بلد ضد الإمبريالية هو انتصار لنا , تماما كما أن هزيمة أي بلد ضد الإمبريالية هو هزيمة لنا . ان ممارسة التضامن العالمي ليست من واجب البلدان التي تناضل من أجل تحقيق مستقبل أفضل فحسب بل انها ضرورة حتمية أيضا " .

(جيفارا , آندرو سنكلير , ترجمة ماهر كيالي , المؤسسة العربية للدراسات والنشر) .  

10 - ان صورة " عالم ثالث " منفصل في المصالح عن الكتلتين الرأسمالية  الشيوعية كان قد اتضح تماما في ذهن زعماء العالم الثوريين  الذي لعب  " جيفارا " دورالمتحدث الرسمي باسمهم وباسم  شعوب العالم الثالث آنذاك . لقد تنبأ " جيفارا " بالكارثة " أو  " الوحلة " التي ستغرق فيها شعوب العالم الثالث في الربع الأخير للقرن العشرين .  ففي كلمته في مؤتمر التجارة والتنمية التابع للأمم المتحدة في مارس / آذار عام 1964  حين طالب " بألا يدب التنافس والتنازع بين الأمم الصغيرة في سبيل الحصول على القروض من الأمم الغنية , بل عليها أن تتمسك بالتضامن فيما بينها إذا كانت مجموعة الدول المتخلفة تتنافس فيما بينها بلا جدوى من أجل فتات طاولة الجبابرة , متيحة بذلك الفرصة لشق صفوفها المتفوقة عدديا فان العالم سيبقى كما هو " .

ان ما كان يطالب به " جيفارا " هو خلق توازن يفرضه تكتل شعوب العالم الثالث ضد الإستغلال . ولكن الدعم السوفييتي بقي دوما دون المستوى الكافي لمواجهة الهجمة الإمبريالية التي بدأت في منتصف الستينات .

لقد أدرك " تشي جيفارا " طبيعة  الإسئلة الصعبة . أما الإجابات الأصعب فكانت من نصيب " عبد الناصر " .

فإذا كان " جيفارا " يمثل الثورة في رومانسيتها , فإن عبد الناصر كان يمثل الثورة في واقعيتها !!

لقد راح " عبد الناصر " يعمل في إتجاهات متعددة لتحقيق ما كان يحلم به ثوريون عديدون  " كجيفارا " .

ولم تكن الأمور سهلة بالمرة .

11 - ولكن   الحرب الباردة والتنافس والصراع بين أمريكا والإتحاد السوفييتي أتاحت  كثيرا من حرية  الحركة             و  " المناورة "  لعبد الناصر  لحركات التحرر الوطني في الخمسينات والستينات من خلال الدعم الذي قدمه الإتحاد السوفييتي لها لمواجهة الضغوط التي كان يفرضها المعسكر الإمبريالي بقيادة أمريكا  .

لا يمكن أن ننكر   - في التحليل الأخير  - أن " توازن القوى  النسبي " الذي ميز النظام الدولي خلال حقبتي  الخمسينات  والستينات كان أحد العوامل التي ساعدت على نجاح المشروع الناصري  ( المشروع الوحدوي الرئيسي في الوطن العربي ) وأمدته بحرية مناورة واسعة ( كسر احتكار السلاح ..  معركة السد العالي .. معركة تأميم قناة السويس ..  العدوان الثلاثي .. معركة التصنيع الثقيل ..  الصمود عسكريا بعد هزيمة يونيو/ حزيران1967 وحرب الاستنزاف وحرب أكتوبر1973  .

بلغة أخرى .. نسأل  : هل يمكن تصور كل هذه المعارك بدون  التوازن الدولي " النسبي "  الذي كان يخلقه وجود الاتحاد السوفييتي والذي كان يستفيد منه الرئيس  عبد الناصر في توسيع هامش مناوراته السياسية  دوليا وعربيا ؟

12 - وعلى الرغم من أن الرئيس  عبد الناصر كان قد استفاد - كثيرا -  من التوازن الدولي وحقق بفضله نجاحات سياسية أكيدة , لكن هذا لم يمنع أن  يرجع البعض  السبب الرئيسي في انكسار المشروع الناصري إلى دور العوامل الخارجية أو بالتحديد إلى دور أعداء الأمة العربية  ( الصهيونية والإمبريالية ) , وهي القوى التي حشدت كل طاقاتها وبشكل متفوق لكسر المشروع العربي الناصري على الرغم من وجود الاتحاد السوفييتي وما كان يخلقه من توازن سياسي وعسكري واقتصادي .

يميل لهذا الرأي , مثلا , المفكر المصري " أنور عبد الملك " الذي يرى أن إدراك ديالكتيك الواقع العربي - المصري يجب فهمه في ضوء حقائق " الجيوبولتيك "  أي عامل الجغرافية السياسية الذي يشكل الأساس الذي يمكن على أساسه فهم وإدراك دلالة المنطقة الحضارية العربية الإسلامية وما تشكله هذه المنطقة في ديالكتيك العالم المعاصر وفي تركيب ميزان القوى القائم ومنذ فترة ليست بالقصيرة في عصرنا الحديث.

13 - ولاشك أن حجم الوثائق التي كشف عنها في السنوات الأخيرة توضح بشكل حاسم حجم الهجمة التي تعرضت لها حركة التحرر العربي تحت قيادة الناصرية  في الخمسينات والستينات والتي  عبرت عن نفسها في مؤامرات محلية وعالمية وفي سياسات للأحلاف العسكرية والمواجهات المسلحة ( عدوان 1956 , عدوان 1967 , حرب اليمن , حرب الجزائر .. الى آخره ) .

من ناحية ثانية ثبت بالدليل العملي خلال حقبة التسعينات ( أي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ) ان المنطقة العربية هي أول منطقة " جيوسياسية " تأثرت بهذا الاختلال في توازن القوى , والأمثلة على ذلك عديدة .

 فالرئيس "  صدام حسين "- مثلا -  ظن -  عندما أقتحم الكويت -  أنه من الممكن تحقيق مغامرة سياسية وعسكرية ناجحة بدون " اتحاد سوفييتي "  يقف وراءه .

وبسبب هذا الخطأ الفادح  الفادح   في تقدير دور التوازنات الدولية , حصدت القيادة العراقية كارثة عسكرية وسياسية واقتصادية بكل المقاييس .. كارثة  لا زال يدفع ثمنها الشعب العراقي منذ أكثر من عشر أعوام

14 - نفس الشيئ يمكن أن يقال عن  نظام الرئيس "  معمر القذافي " . لقد استطاع القذافي مقاومة ضغوط دولية وإقليمية عديدة  خلال حقبتي السبعينات والثمانينات وتمكن من تحقيق مغامرات " مأمونة نسبيا " في مناطق مختلفة من العالم تمتد من الفلبين الى أيرلندا الشمالية وصولا إلى  تشاد وإريتريا وأثيوبيا في أفريقيا ,  ولكن مع بدء حقبة التسعينات - أي بعد سقوط الإتحاد السوفييتي ما لبث أن وجد  نفسه محاصرا ومعزولا داخل حدوده ومن ثم  بدأ عملية " السير الى الخلف " والتخلص تدريجيا من  السياسات والأفكار التي كان أول المتحمسين لها والاقتراب تدريجيا من الأنظمة السياسية التي كانت لسنوات طويلة محط هجومه وانتقاداته !!

15 - أما الرئيس  " حافظ الأسد " الذي  استطاع تحقيق كثير من النجاحات الإقليمية في منطقة المشرق العربي خلال حقبة التحالف مع الإتحاد السوفييتي .. مالبث أن غير هومن لهجة خطابه السياسي لتتلاءم مع المتغيرات الدولية التي حدثت , بحيث أننا يمكن أن نقول أن نظام الرئيس " الأسد " في ظل الاتحاد السوفييتي ليس هو تماما في ظل غياب هذا الأخير وتغير توازنات القوى في المنطقة !!

فنظام الرئيس " حافظ الأسد "   نجح لفترة طويلة  في الحفاظ على مواقعه عبر منهج " الدفاع الثابت " أو ما كان يسميه السوريون " التوازن الإستراتيجي "  بعد أن  خرج الرئيس  السادات بمصر من دائرة " الصراع العربي الإسرائيلي" بعقد معاهدة كامب ديفيد . لقد استفاد الرئيس " الأسد  الدعم السياسي والعسكري الضخم من الاتحاد السوفييتي الذي أعتبر " الأسد "  الحليف القوي الباقي له  في منطقة الشرق الأوسط بعد أن خسر مواقعه في مصر ,  خصوصا بعد أن  إنشغل الحليف الثاني  للاتحاد السوفييتي (  العراق )  بحربه مع  إيران وما ظهر فيها من دعم غربي غير منكور لنظام الرئيس " صدام حسين " .

16 - لكن الانهيار المدوي " والجارح " للاتحاد السوفيتي سارع بتغيير كل التوازنات في المنطقة وعجل بتغيير " مؤشرات الساعة السورية " باتجاه الغرب الأمريكي خصوصا بعد حرب الخليج الثانية التي وجد الجيش السوري نفسه يقاتل بجانب أمريكا ..  الحليف الأول والقوي لخصمه اللدود إسرائيل .

 لقد كان إحتلال الكويت وما أعقبها من حرب  على شواطئ الخليج " لحظة عبثية " من لحظات التاريخ العربي .

ولم يقصر الجميع في دفع الأمور و محتواها " العبثي " حتى النهاية  , حين  دخلوا جميعا   بما فيهم سوريا مؤتمر مدريد بلا قيد أو شرط اللهم إلا من شعار بدون محتوى   وعبثي أيضا عن الأرض مقابل السلام الذي ألقمه الرئيس جورج بوش للعرب ثم رحل عن البيت الأبيض!!

لم يعد هناك  , إذا , اتحاد سوفييتي ولم يعد هناك توازن دولي يمكن اللعب عليه أو المناورة في ظله

17 - كل هذا ينقلنا للسؤال الأساسي : كيف يمكن للوحدويين العرب  تحقيق برنامجهم السياسي في ظل الهيمنة الأمريكية على العالم بشكل عام  والمنطقة العربية  بشكل خاص  ؟ على أي قوى دولية يمكن ان  يتحالف الوحدويون العرب  الجدد لتحقيق نوعا من التوازن يمكنهم من تحقيق الوحدة العربية   ؟

وسيرد علينا البعض بأنه من المحال وضع إجابة شافية على سؤال من هذا النوع.  . فالإجابة على هذا السؤال تستمد مشروعيتها من تطور الأحداث السياسية العالمية وما ستتمخض عنه في السنين القادمة  وهو أمر يصعب التكهن به الآن .

البعض ينتظر بصبر   قيام  قطب  أوروبي قوي يحدث  نوعا من التوازن  مع القطب الأمريكي الوحيد  , خصوصا أن ما يظهر من تناقضات أوروبية أمريكية في بعض السياسات التفصيلية هنا وهناك يشجع هؤلاء على هذا الأمل , أو بالأحرى , على  الصبر والإنتظار  .

وبغض النظر عن إمكانية حدوث هذا  " التوزازن "  في المستقبل القريب  أو عدمه   , فأن من ينتظرون  هذا  ينسون  أن قيام هذا " القطب الأوروبي " لن ينفصل عن  النظام الرأسمالي العالمي الذي تربطه مصالح مشتركة وإستراتيجيات عامة في  كل مناطق العالم المختلفة على الرغم من التناقضات الطبيعية بين أجزاءه .

ان التوازن  الدولي السابق كان يقوم على أساس الصراع  الأيديولوجي بين المعسكرين " الاشتراكي والرأسمالي " ونتج عنه  صراع على مناطق النفوذ الاقتصادي والسياسي والعسكري ..  وبدون شك مناطق النفوذ الأيديولوجي .

إذا لم يكن ممكنا تحقيق توازن دولي يستفيد منه العرب لتحقيق مشروعهم , فهل يمكن قلب المسألة رياضيا , أي إعتبار المقدمة نتيجة والنتيجة مقدمة .

 هل ينبغي " إنتظار "  توازن دولي لتحقيق الوحدة العربية . أم أن الوحدة العربية هي الآداة  السياسية المتاحة لنا لتحقيق التوازن الدولي  والدخول في صراعات تشكيل العالم الجديد بدلا من  " التسكع  "  في طرقات القوى الدولية إنتظارا لما قد يأتي به القدر ؟ ( عبر الكاتب الكبير  " احمد بهاء الدين " عن هذا  التساؤل مبكرا في مقاله " العالم كله ضد الوحدة العربية شرعية السلطة في العالم العربي , دار الشروق ) .

السؤال الثاني : وحدة عربية بدون دور  مصر ؟

18 - يرى كثير من الباحثين العرب  - والأجانب -  ان  الرئيس " عبد الناصر " استطاع  خلال فترة حكمه ان يعيد صياغة دور مصرفي النظام العربي  وأن يمسك بقيادة هذا النظام باتجاه الوحدة  والخروج من التبعية .

لم تكن محض مصادفة - إذا -  أن يطلق " توفيق الحكيم " دعوته عن ضرورة " حياد مصر " بعد شهور قليلة من زيارة الرئيس السادات لإسرائيل وأن يتبعه قائمة لا بأس منها من المثقفين المصريين المعروفين " كحسين فوزي " و " لويس عوض " . فالنزعات الإنعزالية والإقليمية .. أو  " العروبية المبتورة " التي لاترى العروبة إلا في ضوء المصلحة المصرية فقط لا زالت لها تأثيرها وصداها في العقل السياسي المصري . وكان من الطبيعي  - أيضا - أن ينشأ في مواجهة هذا السلوك المصري الإقليمي  - وضده-   رد فعل معاكس خارج مصر  يذهب الى حد الدعوة الى نفض اليد من مصر والبحث عن مستقبل عربي بدونها  أو على الأقل عدم إنتظارها .

وكما نشطت آلة الدعاية " الساداتية  " في تغذية العداء للعرب داخل مصر , نشطت في المواجهة  آلة الدعاية الأيديولوجية  لبعض الأنظمة العربية " الطموحة "  في تغذية نزعة العداء للدور المصري .

19 - وكان الإعلان عن الوحدة المغاربية عام 1989 - وقبل حرب الخليج مباشرة  - مناسبة " لـتأصيل " هذه الدعاية وتطويرها في أيديولوجية تحاول أن تكون منطقية.

ففي هذا العام - 1989 - عادت مصر الى الجامعة العربية , ولكنها  وقفت  حائرة لاتدري اين تذهب والى اي تجمع ينتمي . وبلغت السخرية قمتها عندما رفض  طلب مصر  الإنضمام الى التجمع المغاربي  !

ومالبث أن سعى النظام المصري  لتشكيل تجمع آخر باسم " مجلس التعاون العربي " , يضم مصر والعراق واليمن والأردن  . ولكنه كان تجمعا  غير متجانس في التكوين وغائم في الأهداف . (  يمكن العزدة لكتاب محمد حسنين هيكل  " حرب الخليج , أوهام القوة والنصر , لمعرفة الوقائع التي سبقت نشأة هذه المجالس ودوافعها ) .

ومالبث أن أتت حرب الخليج بكل تداعياتها الدرامية لتنهي حقبة الأوهام وينتهي معها عمليا مجلس التعاون العربي .. ويفقد المؤسسون للوحدة المغاربية حماسهم ويصبح تجمعهم حبرا على ورق .  

20 - على أية حال كانت هذه التجمعات فرصة ذهبية لتأصيل أيديولوجية كاملة   -  رأت آنذاك -  استحالة عودة مصر لأداء دور  القطر " القائد "  في المنظومة العربية  مرة ثانية ,  وأن مصر لم تعد مرشحة لأداء دور الإقليم القاعدة في عملية التوحيد العربي في المستقبل القريب والمتوسط وربما في الأمد الطويل نسبيا. وأسباب هؤلاء  كانت كثيرة ..

لماذا تبدو عودة مصر " مستحيلة " في نظر هؤلاء ؟ 

        أولا : أن هناك تحولات جذرية داخل النظام العربي جعلته يتسم بحالة من حالات " تعدد القطبية " بحيث أصبح دور مصر مجرد دور قيادي ضمن أدوار أخرى .

        ثانيا : ان صعوبات مصر الاقتصادية تحتاج الى وقت طويل لإمكان تجاوزها وتحسين أوضاعها الداخلية بما يسمح لها بالإلتفات لدور أكبر في الساحة العربية  .

        ثالثا : ان دور مصر في حماية الأمن القومي العربي ( وحدها ) كما كان يتصور البعض في فترات زمنية سابقة اصبح أمرا غير وارد بدون القدرات العسكرية والمالية للأقطار العربية الأخرى .

        رابعا : ان تحولات السياسة الخارجية المصرية منذ منتصف السبعينات والتي تجسدت في زيارة القدس ومعاهدة " كامب ديفيد " والتحالف مع أمريكا والوقوف بجانبها في حرب الخليج ضد العراق .. والعلاقة مع " إسرائيل " , كلها أمور  نالت من الدور القيادي التقليدي لمصر .

       خامسا : أن النظم السياسية لن تقبل بزعامة إحداها خصوصا وهي تتذكر مشاكلها مع " عبد الناصر " وتدخله في شؤونها . ( المداح الإدريسي , هل تفشل الوحدة المغاربية بغياب الإقليم القاعدة والقيادة المشخصنة ؟ مجلة الوحدة , عدد58/ 59 , اغسطس 1989)

حقيقة الوضع العربي بدون مصر

21 - تصدر كل القرائن السابقة عن رؤية تؤمن " بإستحالة " عودة مصر الى دورها كأقليم - قاعدة للنضال العربي.

ولا نريد الدخول - هنا - في متاهات التحليل في " النوايا " التي تصدر عنها مثل هذه الأفكار . خاصة أن التغيرات التي حدثت منذ وفاة " عبد الناصر " وتولي السادات وما فعله من تغيرات حاسمة في بنية النظام المصري كانت تعزز من هذه الرؤية .

ان  " الساداتية "  , في شق أساسي منها   ,  رؤية إنعزالية لدور مصر.. أي مصر  بعيدا عن العرب ومشاكلهم وصراعتهم " ورزالتهم " كما كان يقول السادات .

ولكن " الساداتية " التي تواجدت في مصر ما لبثت أن غزت النظام الإقليمي العربي  بعد وفاة مؤسسها .وإذا كانت هناك نخب مصرية رحبت بإنعزال مصر عن العرب , فقد كان هناك  نخب خارج مصر  أيضا - رسمية وغير رسمية -  ترحب " بإنعزال مصر "  وتدفع إاليه وتشجعه   لصالح ماذا .. لصالح من ؟

أسئلة سنجيب عنها فيما بعد .

أن كل  الحجج التي عبر عنها مقال " المداح الإدريسي كانت  " تشكل - في رأينا  - البنية التحتية لتفكير معظم النخب السياسية الحاكمة في العالم العربي حتى هذه اللحظة   .

يحتاج الأمر - إذا - الى نقاش هادئ وموضوعي .

مسألة تعدد القطبية داخل النظام الإقليمي العربي :

22 - ان تغير وضع ميزان القوى الإقليمية داخل النظام العربي , منذ السبعينات والثمانينات والتسعينات , جعل النظام العربي يتسم بحالة من حالات  " تعدد القطبية " , بحيث أصبح دور مصر مجرد " دور أساسي " ضمن أدوار أساسية أخرى تلعبها أنظمة أقليمية أخرى . بل أن بعض هذه الأنظمة طمحت في لحظات معينة الى لعب " الدور القيادي " الذي كانت تلعبه مصر سابقا .

لقد ساهمت الظروف الأقليمية والدولية التي عاشها النظام الإقليمي العربي في السبعينات  على تطور قدرات أنظمة عربية معينة على الفعل السياسي في المحيط العربي والدولي , نتيجة عوامل كثيرة أولها ظهور الكتلة النفطية كقدرة مالية وسياسية مؤثرة في ساحة الصراع الدولي والأقليمي . هذه الكتلة  النفطية لم تكن على نفس القدرة من التأثير السياسي أو المالي خلال حقبة صعود الناصرية في الخمسينات والستينات .

23 - من جهة أخرى , ادى  الصراع الدولي وحالة الإستقطاب المستمر داخل النظام الإقليمي العربي , وبشكل خاص القضية الفلسطينية , ثم الحرب العراقية - الإيرانية , والحرب الأهلية اللبنانية  , الى تطور القدرة السياسية لبعض الأنظمة العربية النفطية وغير النفطية , وتعاظم دورها العسكري والسياسي في مسار بعض الصراعات الإقليمية وإكتسابها أدوار إقليمية متعاظمة لم تكن موجودة - أو لم تكن على نفس الدرجة من التأثير - خلال حقبة صعود الناصرية .

ونشير بشكل خاص , هنا , الى التطور في القدرات السياسية والعسكرية للعراق وسوريا وليبيا.

ذلك صحيح .

ولكن هناك أشياء " مسكوت عنها " في هذه الحقيقة :

24 - منها , أن هذه الحالة من " تعدد القطبية " نتجت  , بشكل أو بآخر , عن تخلي مصر عن دورها القيادي داخل النظام الأقليمي العربي , وإستسلام قيادتها السياسية الى الشروط الأمريكية والإسرائيلية التي أرادت من البداية تحجيم الدور المصري وحصاره داخل الحدود المصرية .

غياب دور مصر " القائد " في المنظومة العربية , شجع من ناحية ثانية , نوازع الزعامة الأقليمية والشخصية , بين أقطاب النظام الأقليمي العربي .

المؤسف أن كل هذه النوازع والأدوار لم تستطع أن تعوض دور مصر في داخل النظام الإقليمي العربي وأن تحقق درجة عليا من " الإنضباط " في النظام الأقليمي العربي خلال فترة " الغياب الإرادي " لمصر . لقد عملت هذه الأدوار المتعاظمة لبعض الأنظمة العربية على تأجيج عوامل الصراع والتنافر الأقليمي داخل المنظومة العربية وأجهزت تماما على عوامل التضامن والتجمع العربي بشكل غير مسبوق . وفجأة أصاب الشلل المنظومة العربية أمام أخطار حقيقة وصار النظام العربي مفتتا ومنقسما أمام اخطار حقيقية نالت منه ومن فعاليته .

25 - أن جبهة " الصمود والتصدي " التي نشأت بعد معاهدة " كامب ديفيد " مالبثت أن إنهارت وتفرق أقطابها في صراعات ومهاترات متبادلة وعجزت عن مواجهة الوضع الناتج عن توقيع مصر لمعاهدة كامب ديفيد . ولم تلبث أن انهارت  الوحدة السورية - العراقية  بعد  أسابيع قليلة  , على الرغم من الآمال التي عقدت عليها لتحقيق توازن " مشرقي " لمواجهة الإختلال الذي حدث بتوقيع مصر لإتفاقية منفردة مع اسرائيل .

ثم إندلعت الحرب العراقية - الإيرانية و وزادت حالة الإستقطاب داخل المنظومة العربية , ففي الوقت الذي إنحازت  للعراق دول مجلس التعاون الخليجي للموقف العراقي ومعها مصر " المعزولة "  سياسيا , وقفت سوريا وليبيا مؤيدة للنظام الإيراني الجديد . واشتعلت حالة الإستقطاب والتنافر مجددا .

26 - ثم حدثت الكارثة الكبرى , وغير المسبوقة , بغزو اسرائيل للبنان وحصارها للعاصمة اللبنانية لعدة شهور دون أن تتحرك الأقطاب الجديدة الناشئة داخل المنظومة . وبلغت المآساة قمتها عندما وجد رجل الشارع العربي نفسه يشاهد " الخروج " الجارح والمهين للفلسطينيين من لبنان على ظهر سفن تحميها القوات الفرنسية والأمريكية .

ومن بعد شهدنا  النظام  العراقي يلملم نفسه بعد حربها مع إيران وتداعياتها .  وأخذ النظام  السوري  , يحافظ على نفسه بشعار   " التوازن الإستراتيجي " على الرغم من تواجده العسكري في لبنان وعاصمتها المحاصرة .

أما النظام الليبي فقد كان  يمارس - كالعادة -  ثوريته اللفظية من بعيد . ثم إكتمل إخفاقه الأيديولوجي عندما  كفر بفكرة القومية العربية وتبني الرابطة الإفريقية بديلا عنها , دون أن يفسر على الأقل  لماذا فشل " الإتحاد المغاربي " الذي يضمه مع أربعة دول عربية وإفريقية في ذات الوقت ؟!!

أما دول الخليج النفطية لا يهمها  في المقام الأول والأخير إلا   " استقرارها " السياسي  , وهي مستعدة دوما للدفع   من خزائنها لمن يؤمن لها هذا " الإستقرار " .. من داخل النظام العربي أو من خارجه .. لا يهم !!

والفلسطينيون - كالعادة أيضا - يذهبون بإتجاه الريح ..  ويدفعون  - دوما - من مستقبلهم ثمنا لتفتت النظام الإقليمي العربي .  

كان الموقف كله حزينا ومهينا .. ومآساويا .

وكان من الطبيعي أن نصل الى تداعيات أكثر مآساوية في ظل هذه " الإقطاب " الجديدة الناشئة .

وكان الغزو العراقي للكويت .. والذي سبقه بلحظة قصيرة عودة مصر للجامعة العربية .

وكأن القدر يخبئ للعرب أكثر مفاجآته هولا !!

فلقد  ظهر تأثير  الدور المصري في النظام الإقليمي العربي .- ولكن  لسوء حظ العرب ومصر  - ظهر  " معكوسا" , أي في غير مصلحة النظام العربي ككل , وفي غير مصلحة مصر بوجه خاص . 

27 - لقد سنحت للنظام المصري " فرصة تاريخية " خلال أزمة الخليج الثانية لأستلام زمام المبادرة وقيادة العالم العربي من جديد . ولكن ضيق الأفق الجماعي  من ناحية  ,  والضغوط الأمريكية المكثفة من ناحية ثانية ,  قادت المنظومة العربية  بكاملها الى حرب الخليج الثانية وما نتج عنها من تداعيات مآساوية , لم يكن أقلها مؤتمر " مدريد " وما تمخض عنه من إتفاقيات ومعاهدات هزيلة , جسدت تبعية النظام الإقليمي العربي  للهيمنة الإسرائيلية الأمريكية بشكل كامل .  

وإذا كان تعبير " النحس " هو التعبير الذي استخدمناه في التعبير عن هذه المفارقة المؤلمة التي عاشها العالم العربي في لحظة ما من تاريخه .

لكن النحس وسوء الحظ لا يمكن أن يخفيا أبدا الأدوار التي لعبها الجميع على مسرح الأزمة . ولا يعفي أحدا من المسئولية وأولهم النظام المصري ذاته !!! 

الخلاصة : أن مقارنة هذا الوضع الجديد  , أي " تعدد القطبية " داخل المنظومة العربية بما كان سائدا في الخمسينات والستينات , في ظل قيادة " الناصرية " لن يكون لصالح الوضع الجديد بحال من الأحوال . وبغض النظر عن  مشاعر المتعاطفين مع  الناصرية أو المعاديين لها  في العالم العربي

28 - لقد استطاعت مصر خلال " الحقبة الناصرية " أن تحقق قدرا كبيرا من الإنسجام , أو بالأحرى , الإتساق داخل النظام العربي في مواجهة الأخطار الخارجية الكبرى , على الرغم من الإستقطاب الأيديولوجي الحاد الذي كان يقسم العالم العربي الى معسكرين أيديولوجيين متعارضيين : معسكر " تقدمي " تقوده مصر , ومعسكر " رجعي " تقليدي محافظ .

ورغم هذه " الثنائية القطبية الأيديولوجية " , استطاعت مصر " الناصرية " تحقيق " إجماع" عربي فعال في مواجهة قضايا مصيرية واجهت الأمة العربية : كالحرب الأهلية اللبنانية  عام 1958 , الموقف من مشروعات اسرائيل تحويل مجرى نهر الأردن وإنبثاق فكرة مؤتمرات القمة العربية , الإجماع العربي على دعم دول المواجهة في مؤتمر الخرطوم بعد نكسة يونيو 1967 ورفع شعار " اللاءات الثلاث " , نجاح عبد الناصر في إيقاف مذابح أيلول الأسود عام 1970 , نجاح مصر في تحقيق إجماع عربي حول دول المواجهة خلال حرب أكتوبر / تشرين 1970 ثم ثم قررت مصر " السادات " الإبتعاد عن دورها القيادي .. وتأججت حدة الصراعات الإقليمية وظهرت " الأقطاب " الجديدة ونمت قدراتها السياسية والمالية .. ولكن نمت ايضا قدرتها على أشاعة الفوضى والصراع والتنافر داخل النظام العربي وما جره ذلك من خراب وإنهيار لا يمكن أنكاره بأي حال من الأحوال .

حول مستقبل  مصر في عملية التوحيد القومي

29 - نعيد تحديد السؤال : : ماذا كان يمكن أن يفعل " الوحدويون  الجدد "  في هذا الوضع العربي الذي بدأ في الانهيار منذ سياسة "  الصدمات  الكهربائية " التي أنتهجها الرئيس السادات .

وإذا كنا  في هذا الدراسة   لا نستطيع  إعادة ما كتبناه ردا على هذه الحجج التي تمثل عينة نموذجية للعقل السياسي " الإقليمي " الذي ينظر للتاريخ العربي في حدود مصالح أقليمية ضيقة وغير موضوعية . إلا أننا لا نملك إلا التشديد على قضيتين  لم يتناولهما ردنا على        " المداح الإدريسي " :

   أولهما : أن النخب الوحدوية خارج مصر قد فهمت الدور المصري في عملية التوحيد القومي على نحو قاصر ,  فرغم حماسها الزائد في بعض الأحيان لهذا الدور إلا أنها  فهمت دور المصر على نحو وحيد الإتجاه من مصر الى خارجها وليس العكس . صحيح أن مصر  هي القطر الذي تؤثر أوضاعه السياسية  بشكل حاسم على مسار الأحداث في العالم العربي  أكثر من أي قطر عربي آخر فأي نهوض قومي بها يقابله  نهوض  مماثل في الأوضاع العربية , كما أن أي إنكسار بها يجر معه  الأوضاع العربية ويسير بها نحو التدهور .

30 - نحن نتفق هنا مع ما قاله  شيخ علماء السياسة الدولية العرب المرحوم " حامد ربيع " , من أن الفكر السياسي العربي لازال غير واع حتى الآن بحقيقة ما يسمى " بالتداخل الوظيفي " في المجتمع العربي . وبينما السياسة الأمريكية قد خصصت بوضوح , ومنذ أن قدر لها أن تخضع ديناميات ومتغيرات الحياة السياسية في الوطن العربي لعديد من الدراسات الميدانية منذ الستينات , منها على سبيل المثال ما قام به أحد مراكز الدراسات الدولية في إيطاليا لحساب مؤسسة " فورد " التي تعمل بتوافق تام مع أجهزة المخابرات الأمريكية وجعلت هدفها الحقيقي إعاقة التطور والترابط بين " تمصير " العالم العربي ,  "وتعريب " الوجود المصري ( د: حامد ربيع , تأملات حول مفهوم الوحدة العربية .. نظرة مستقبلية , مجلة الوحدة , عدد تجريبي يوليو 1984 . دراسة مقدمة لندوة " نحو تصور عملي لتحقيق الوحدة العربية " , طرابلس , ليبيا , فبراير 1984 ) .

في هذا الإطار الذي قال به " حامد ربيع " , تأتي سياسة  " كامب ديفيد "  في طبعتها المصرية  ,  وفي طبعتها العربية " مدريد وأوسلو ووادي عربة ومبادرة ولي العهد السعودي الأمير " عبد الله في فبراير 2002 .

ان رد الفعل الغوغائي الذي تلى توقيع مصر لمعاهدة كامب ديفيد عام 1979 وما نتج عنه من تمزيق للعلاقات الإقتصادية وإيقاف حركة التنقل  والترابط الذلتي بين العالم العربي ومصر لم يحقق هدفه في إعادة مصر

31 - ان حالات التفتت والصراع والتشرزم والتبعية الأجنبية التي تميز النظام العربي خارج مصر تسهل  على أي قيادة مصرية  ضيقة الأفق وإقليمية أن تسحب نفسها من الهموم العربية وتنكمش داخل حدودها . هذا يفسر الى حد كبير كيف نجح الرئيس السادات  بسهولة ( وهو المعروف بنوازعه الفرعونية الإقليمية منذ شبابه ) في حرف مصر عن دورها في النظام العربي والذي  كان قد نما في عهد الرئيس عبد الناصر بشكل غير مسبوق.

فرغم المعارضة التي أظهرها النظام العربي لخطوة السادات بزيارة القدس والإعتراف بإسرائيل ( دون مشاورة الآخرين ) والتي تمخضت عن قطع شبه جماعي للعلاقات مع مصر وقيام ما يسمى  " جبهة الصمود والتصدي " والتي ضمت أكبر قطرين في المشرق العربي     ( سوريا والعراق ) كما ضمت قطرين لهما وزنهما المؤثر في المغرب العربي ( الجزائر والمغرب ) فضلا عن  الفلسطيننين واليمن  ( الجنوبي آنذاك ) .

ولكن هذه " الجبهة " ما لبثت أن إنهارت  في غضون شهور قليلة  وإنهار معها مشروع الوحدة الثنائية بين نظامي حزب البعث في سوريا والعراق , وتوافق معها إندلاع  الصراع في المغرب العربي حول مشكلة الصحراء . وهكذا ساهمت  حالة  التشرزم والضعف  الإستقطاب الحاد داخل النظام العربي خارج مصر على تمرير المشروع الساداتي بكل سهولة ودون مقاومة تذكر . ( هذه النقطة محل دراسة مفصلة  ومستفيضة مقدمة في إطار الإحتفالات بالذكرى الخمسين بثورة يوليو 1952 . الدراسة بعنوان مقدمات ونتائج إنهيار النظام الإقليمي العربي) .

32 - ولم تلبث حرب الخليج الثانية  ان كشفت  عن  عطب هذا " المنطق " حين انهارت - واحدة بعد الأخرى  -  مشاريع التجمعات الإقليمية التي كانت قد نشأت عشية هذه الحرب رغم الشعارات الكبيرة التي رفعتها آنذاك : ( مجلس التعاون العربي , الوحدة المغاربية .. مجلس التعاون     الخليجي ). والواقع أن البعض روج في لحظات معينة لما يمكن أن تلعبه وحدة عراقية - سورية في تعويض دور الأقليم - القاعدة مصر . وبغض النظر عن الأماني والنوايا ة لا نملك إلا أن نقول أن الصراع البعثي ( السوري - العراقي ) منذ منتصف السبعينات لعب دورا تخريبيا داخل دول التكتل " التقدمي " مماثلا للدور الذي لعبه الصراع " السوفياتي - الصيني )  في المعسكر الإشتراكي خلال الخمسينات والستينات . ( تعرضنا لتفاصيل هذا الصراع في دراستنا المقدمة للندوة بعنوان : مقدمات ونتائج إنهيار النظام العربي المعاصر ) .

نختصر هذا بالقول أنه كلما كانت مصر قوية كلما كان العرب أقوياء , وكلما تشرزم العرب  خارج مصر كلما سهل على القوى الإقليمية في مصر سحبها للداخل  والإنكفاء على الذات .

عدم إدراك هذه العلاقة ذات الإتجاهين بين مصر والعالم العربي تفسر الى حد كبير حالة  " الإنتظار السلبي"  الذي عاش عليه ولا يزال - عدد كبير  من الوحدويين والعروبيين في إنتظار أن يأتي  " الفرج " من مصر !!

وهو موقف يصدر - في رأينا -  عن منطلقات مثالية بعيدة عن العلم والموضوعية .

   وثانيهما :  ان هذا القصور الوحدوي ساهم  - دون قصد   في ولادة  شعور وهمي لدى النخب  المصرية بالتفوق و " الإمتياز " لم يكن من السهل  عليهم إخفائه  في التعامل مع المحيط العربي , فظلوا  يتعاملون مع مسألة دور مصر العربي   وكأنه  ضرورة للأمن القومي المصري القطري الضيق , أو حلا محتملا  لأزمات مصر الإقتصادية وما تفرضه من ضرورة مد النظر الى العالم العربي الذي يمتلك الثروة اللازمة لحل مشكلتها الإقتصادية .

33 - ينبغي لنا علينا الإعتراف هنا أن جزء كبير من النخبة السياسية المصرية - وللأسف الوحدوية جزء منها - لازالت تنظر الى العالم العربي حولها نظرة إنتهازية ونفعية دون إيمان حقيقي بقضية الوحدة العربية . وهي تعبر في حالات أخرى عن نزعة " تفوق " وإمتياز وهمية , متغافلة أن العالم العربي الذي كان سائدا في الخمسينات والستينات والسبعينات أصبح يموج بنخب علمية وثقافية لا تقل من حيث القدرة والتفوق على النخبة المصرية , بل تفوقها في أماكن مختلفة من العالم العربي حيث  زودها الإنفتاح على العالم الخارجي بقدرات تتفوق بها على النخبة السياسية والثقافية المصرية . ومالدور الذي تلعبه النخبة المغاربية في الدراسات التراثية والإجتماعية واللغوية , أو الدور الذي تلعبه النخبة الخليجية في  مجال الدراسات السياسية ألا تعبير عن أن مراكز الثقل الحضاري قد بدأت في التنوع والإغتناء بما لايسمح بإحتكار أحد المراكز للدور الحضاري إلا بمقدار تعبيره عن الهمموم العربية جميعها وللمستقبل العربي في كليته .

وهذا أمر إختصت به الطبيعة الجيوسياسية مصر وليس إمتياز لنخبتها عن غيرهم .

وإذا كان التاريخ قد أثبت " مثالية " التيار الأول وفشل منطلقاته ,  فأنه لن يرحم أيضا دعاة المنطق الثاني .

ولكن كيف السبيل الى إعادة مصر الى دورها العربي وكيف السبيل الى تقوية العرب بدون مصر ؟

مصر و " كامب ديفيد " :

34 - يرى  كثير من الباحثين -  ومنهم " المداح الإدريسي " في مقاله السابق الإشارة  إليه - أن " تحولات السياسة الخارجية المصرية منذ منتصف الستينات وبشكل خاص إتفاقيات  " كامب ديفيد " قد نال كثيرا من الدور القيادي " التقليدي " لمصر في العالم العربي .

ذلك أمر غير منكور وتشهد عليه الوقائع اليومية في العالم العربي . إن هيبة مصر وشعبيتها في العالم العربي تأثرت كثيرا  - ان لم تكن قد انهارت بالكامل - بما فعله السادات منذ زيارة القدس وبما فعله النظام المصري في حرب الخليج  ومواقفه من الصراع العربي الإسرائيلي خلال إجتياح لبنان أو حصار الفلسطينيين في الأراضي المحتلة بعد توقيع إتفاقيات " أوسلو ". وربما أكثر من هذا ومن ذاك , إذا رغبنا التفصيل . ولكن عندما كتب " المداح الإدريسي " لم تكن حرب الخليج قد وقعت بعد , ولم يكن مؤتمر مدريد قد إنعقد ولم يكن أقطاب النظام الإقليمي العربي  - وبشكل خاص منظمة التحرير الفلسطينية - قد وافقوا صراحة وضمنيا على الإعتراف بإسرائيل وإقامة علاقات  علنية طبيعية معها . وبالتالي ما كان محرما على مصر صار حلالا للجميع بعد هذا التاريخ . والمهزلة أن مصر- التي كانت أول من إعترف بإسرائيل -  بدت في لحظات معينة أول من وقف ضد " هرولة " بعد الأنظمة العربية بإتجاه إسرئيل !!

لذلك لم يعد ما يهمنا الآن صورة هذا النظام أو ذاك في مواجهة الآخرين , بقدر ما أصبحت المسألة - في رأينا - ذات علاقة بالمستقبل العربي ومسألة الوحدة العربية في قلبها .

كيف ؟

السؤال  الرابع : الإعتراف  بإسرائيل والوحدة العربية

35 - لعل البعض لم يجهد نفسه كثيرا في معرفة السبب وراء تصميم اسرائيل على أن تكون مفاوضاتها مع العرب , مفاوضات منفردة  , وأن تقيم معاهدات وإتفاقيات منفردة مع كل قطر العربي 

فإذا كان هدف لإسرائيل الأساسي هو الحصول على " إعتراف عربي " , فكان من الممكن الوصول الى هذا عبر مؤتمر دولي  كمؤتمر مدريد مثلا - يشارك فيه العرب مجتمعين كوحدة واحدة , ويعترفون معا  بإسرائيل (  أو يجددون إعترافهم معا  وهذا أجدى لها وأكثر تأثيرا ) . ولكن إسرائيل أصرت منذ اللحظة الأولى لمؤتمر مدريد على رفض الوفد العربي الواحد وأصرت على مبدأ المفاوضات المنفردة .. لماذا ؟

لقد إعتقد البعض أن السبب وراء هذا الإصرار الإسرائيلي  - وهو محق بعض الشيئ - أنها  لا تريد مواجهة  العرب كمفاوض  واحد .. مفاوض قادر من خلال التنسيق المشترك  فرض شروط على اسرائيل وإرغامها على القبول . أي أن رفضها ينبع من دوافع   " عملياتية " في التفاوض , إي  أنه مجرد براعة وفاعلية  أسلوب في التفاوض لا أكثر ولا أقل . وهو أمر صحيح نسبيا كما قلنا .

36 - ولكن ينبغي أن نتذكر أن إسرائيل كانت ترفض دوما مبدأ المفاوضات الجماعية وتصر على مبدأ المفاوضات المنفردة منذ اللحظة الأوى لنشأتها  . لقد رفضت إسرائيل  أثناء إتفاقيات الهدنة بعد نكبة 1948 مبدأ المفاوضة مع الجيوش العربية كطرف واحد مواجه والإصرار على مبدأ المفاوضة المنفردة . ( يمكن العودة الى هذه النقطة تفصيلا في كتاب " آفي شليم " , الحائط الحديدي , مؤسسة روز اليوسف , ص 44 وما بعدها ) .

لماذا ترفض إسرائيل  التعامل مع العرب ككتلة وترى في التعامل معهم كأقطار متفرقة ضمانة مستقبلية لها ؟

كما هو معروف أن الوحدة البنائية الأساسية للتعامل الدولي في القانون الدولي هو الدولة . والدولة هي نوع من العلاقة المشتركة بين خاصتين الأرض والشعب الذي تحدد مدار عملهما " نظرية السيادة " . فسيادة الدولة لا تتعدى حدود شعبها أو مجالها الجغرافي غير المتنازع عليه . وعقد المعاهدات -  وفضها - هو مظهر من مظاهر السيادة . 

وكل المعاهدات التي وقعتها أسرئيل مع الدول العربية تجسد مظهر من مظاهر سيادة الدولة الموقعة ولا تنصرف الى ما عداها من دول مهما جاء من حواشي  وبهرجات لفظية عن السلام الشامل في لدول المنطقة .

37 - ولكن يبقى وضع - حسبت له اسرائيل حسابه - وهو سيناريو إتحاد دولة  عربية من تلك التي وقعت معها معاهدة مع دولة عربية أخرى لتقوم دولة جديدة ذات سيادة على شعب مختلف ومجال جغرافي مختلف .. ماهو موقع الإتفاقيات التي تم توقيعها مع اسرائيل من الدولة السابقة ؟

هل يكفي أن تعلن الدولة الجديدة إلتزامها بالمعاهدات والإلتزامات القانونية للدولتين المتحدتين السابقة على الوحدة بينهما ؟

هل تصبح المعاهدات مع اسرئيل ملزمة للدولة الجديدة حتى لو كان أحد طرفيها غير مشارك في المعاهدات والإعتراف بإسرائيل .. مثلا ؟

وهل قيام دولة عربية جديدة يعني اسقاط المعاهدة القديمة " تلقائيا " من جانب واحد ؟

وهل يعتبر هذا " الإسقاط من جانب واحد " عملا عدائيا يعطي إسرائيل أو الضامنين للمعاهدة حق استخدام القوة لإعادة الأمر لما عليه ؟

لنأخذ على سبيل المثال  نصت معاهدة " كامب دافيد " في الفقرة الخامسة من المادة السادسة على ما يلي : " مع مراعاة المادة 103 من ميثاق الأمم المتحدة , يقر الطرفان بإنه في حالة وجود تناقض بين إلتزامات الأطراف بموجب هذه المعاهدة وأي  من إلتزاماتها الأخرى فإن الإلتزامات الناشئة عن هذه المعاهدة هي التي تكون ملزمة ونافذة " .

ثم أضافت اسرائيل الى  إتفاقية " كامب دافيد " شرطا غريبا  يمنع مصر من التحايل " مستقبلا " من توقيع أي إتفاقية أو معاهدة مع أي طرف عربي آخر إذا تعارضت مع الإلتزامات التي أخضعت مصر نفسها لها في " كامب دافيد " . إذ أوردت الفقرة الرابعة من المادة السادسة من المعاهدة ما يلي : " يتعهد الطرفان بعدم الدخول في أي إلتزام يتعارض مع هذه المعاهدة " .

وبغض النظر على إستخدام لفظ " أي إلتزام " و وهو تعبير  مفتوح وغير محدد بالتوقيع على إلتزامات أخرى ذات صفة تعاقدية , إذ يكفي هنا النية وليس الفعل التعاقدي ذاته .

بغض النظر عن هذه المسألة نسأل : هل نية الوحدة السياسية بين مصر - مثلا - وأي قطر عربي آخر لقيام دولة جديدة ( كما حدث مع قيام الجمهورية العربية المتحدة من مصر وسوريا ) يعتبر إلتزاما يتعارض مع معاهدة          " كامب ديفيد " - أو غيرها من معاهدات مع اسرائيل - ويوجب على إسرائيل إتخاذ التدابير اللازمة لردع الطرف الآخر أو مطالبته بتنفيذ المعاهدة ؟

ولكن ماذا لو قررت مصر الدولة  - مثلا - التحرر من هذه القيود وقررت المضي في عملية الوحدة الإندماجية مع قطر عربي آخر - أو أكثر - لتكوين دولة وحدوية جديدة ؟

38 - الحقيقة أن اسرائيل وأمريكا لم يستبعدا حدوث حالات من هذا النوع فوضعا نوعا من التدابير الأمنية في المعاهدة وخاصة بطبيعة إنتشار الجيش المصري في سيناء . ولكنهما حرصتا على الحصول على ضمانات تخص مصر تلزمها وحدها - دون أن تكون هناك ضماات تلزم اسرائيل بالمثل - وهو مذكرة التفاهم الأمريكية الإسرائيلية التي أرسلها  الرئيس الأمريكي " كارتر " الى كل من رئيس الوزراء المصري " مصطفى خليل " ورئيس الوزراء " مناحم بيجين " قبل يوم واحد من توقيع الإتفاقية أي في 25/3/1979 , وقد جاء فيها :

( أ ) حق الولايات المتحدة الأمريكية في إتخاذ ما تعتبره ملائما من إجراءات في حالة حدوث إنتهاك لمعاهدة السلام أو تهديد بالإنتهاك بما في ذلك الإجراءات الدبلوماسية والإقتصادية والعسكرية .

( ب ) تقد الولايات المتحدة الأمريكية ما ترته لازما من مساندة لما تقوم به اسرائيل من أعمال لمواجهة هذه الإنتهاكات خاصة إذا ما رئي أن الإنتاك يهدد أمن اسرائيل بما في ذلك على سبيل المثال , تعرض اسرائيل لحصار يمنعها من استخدام الممرات الدولية وإنتهاك بنود معاهدة السلام بشأن الحد من القوات أو شن هجوم مسلح على اسرائيل . وفي هذه الحالة فإن الولايات المتحدة الأمريكية على استعداد للنظر بعين الإعتبار وبصورة عاجلة في إتخاذ  اجراءات مثل تعزيز وجود الولايات المتحدة في المنطقة وتزويد اسرائيل بالشحنات العاجلة وممارسة حقوقها البحرية لوضع حد للإنتهاك .

(ج ) سوف تعمل الولايات المتحدة بتصريح ومصادقة الكونجرس على النظر بعين الإعتبار لطلبات المساعدة والإقتصادية لإسرائيل وتسعس لتلبيتها " .

هذا الخطاب الذي وافقت عليه مصر وأصبح جزءا لا يتجزء من معاهدة " كامب دافيد " , يشكل معاهدة تحالف واضحة بين أسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة مصر ؟!

وهو يعرض - أولا - التدابير التي سـاخذها أمريكا لحماية اسرائيل من أي إنتهاك مصري : ديبلوماسي .. اقتصادي .. عسكري .. ضد اسيرائيل . ولكن ماذا لو أن الإنتهاك كان من جانب اسرائيل ضد مصر .. هل ستقوم الولايات المتحدة بإتخاذ ذات التدابير ضد اسرائيل  لضمان تنفيذ المعاهدة ؟

39 - علي أية حال يبقى سؤال ذو صلة بموضوعنا عن الوحدة العربية وهو : ماهي حدود  الإجراءات  " الديبلوماسية " التي نص عليها خطاب الضمان - والتي يمكن أن تعتبرها أمريكا وإسرائيل إنتهاكا لمعاهدة السلام ؟

وهل إندماج الدولة المصرية مع دولة عربية أخرى يعتبر إجراءا ديبلوماسيا يتيح لإسرائيل الإدعاء بإنتهاك معاهدة " كامب ديفيد " .. ويتيح لأمريكا إتخاذ التدابير المنصوص عليها في خطاب الضمان ؟

وذلك مجرد نموذج لما يمكن أن تفعله إسرائيل في حالة الوحدة السياسية بين قطرين أو النية بالتوحيد بينهما !!

على أية حال - وكما يقول الدكتور عصمت سيف الدولة في تشريحه القانوني الممتاز  لمعاهدة " كامب دافيد "  - " لم توجد ولن توجد اتفاقية دولية غير قابلة للإلغاء من طرف واحد و ولكن على من يلغيها حينئذ أن يدفع ثمن هذا الإلغاء في مواجهة الطرف الآخر والمجتمع الدولي  . ( د: عصمت سيف الدولة , هذه المعاهدة , دار الثقافة الجديدة ) .

ونضيف نحن من عندنا " نظرية السيادة " التي تقرر للشعب إمكانية استخدام السيادة والإندماج مع شعب آخر لتكوين دولة جديدة ذات سيادة جديدة على الأرض الموحدة والشعب الموحد في ظل دولة جديدة ذات سيادة .

40 - وقد يعتبر البعض هذا النقاش نوعا من   " الفانتازيا " مستحيلة الحدوث عمليا .

ولكن الفكر المعاصر - جدا - يشمل نوعا من هذا الجدل " غير الفانتازي " فقد ثار جدل بعد إنهيار الإتحاد السوفييتي السابق حول طبيعة الدولة التي ترث إلتزامات الدولة القديمة . وبشكل خاص ديون الأخرين على الإتحاد السوفييتي السابق , وهل ينبغي ردها لكل الجمهوريات المتخارجة عنه أم ترد للجمهورية الروسية وحدها ؟ أم أنها تسقط نظرا لأن اي من الجمهوريات المتخارجة ليس هو - بالقطع الدولة القديمة حصرا -

ونفس الشيئ حدث عندما حدث لإندماج ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية و فقد نشأت دولة جديدة كان لكل منهما إلتزامات دولية سابقة .. كيف تم التصرف حيالها ؟

على أي حال..  هذا  جدل قانوني وفقهي خطير ولكن له نتائج سياسية وعسكرية قد تكون أخطر بكثير في حالتنا العربية ؟

وهو ما نطرحه على الباحثين الوحدويين المتواجدين في هذه الندوة البحثية .

السؤال الخامس  : عن أسطورة التكامل الإقتصادي

41 - عدد كبير من الباحثين - والسياسيين أيضا - الذين تصدوا لدراسة أسباب تعثر الوحدة السياسية بين العرب , يخلصون الى أن من أهم أسباب هذا التعثر هو غياب التكامل الإقتصادي بين الأقطار العربية . والواقع أن هناك مئات - بل آلاف - الكتب والدراسات عن ضرورة التكامل الإقتصادي وإمكانيات  التكامل الإقتصادي وأشكال التكامل الإقتصادي .. الى آخره .

ولكن لم يتصد الكثيرون لمعرفة سبب فشل هذا التكامل الإقتصادي وعدم تحققه بين الأقطار العربية رغم مرور كل هذه السنين . ولا زال البعض " يحلم " بخطوات للتكامل الإقتصادي تصل بالعرب الى الوحدة الإقتصادية على غرار " الوحدة الأوروبية " .

والواقع أن  فكر  " التكامل الإقتصادي " هو فكر " مثالي " ودعاته " فاشلون " على الرغم من دعاوتهم التي تبدو عقلانية ومستندة على مقومات مادية , أي الأقتصاد , وعلى أسس  موضوعية هي أن التكامل الإقتصادي يخدم مطلب التنمية الشاملة لكل الأقطار العربية ومطلب التنمية هو بدوره  مطلب جماهيري تفرضه الرغبة العارمة في أن تخرج جماهير هذه الأمة من دائرة الفقر والتخلف والتبعية  !!

42 - لماذا -  إذا -  نعتبره فكرا " مثاليا " و فاشلا  .. ؟

أولا : لأن التكامل الإقتصادي يقتضي  -  ضمن ما يقتضي - أن تكون هناك فوائد إقتصادية يمكن أن تجنيها الأقطار من هذا التكامل الإقتصادي . والواقع أن التبادل التجاري بين الدول العربية  - الذي يأخذه البعض كأحد مؤشرات الوحدة والتكامل الإقتصادي - لازال ضعيفا للغاية . وقد قدر " احمد الجويلي " أمين مجلس الوحدة الإقتصادية العربية , التجارة البينية خلال العشر سنوات الماضية بحوالي 27 مليار دولار يمثل البترول ما يزيد على 50 في المائة منها . وهذه النسبة لا تشكل سوى 8.6 من جملة التجارة العربية الخارجية .

والخلاصة المأساوية : هي أن التبادل التجاري بين الأقطار العربية مازال ضعيفا للغاية . وهو من الضعف بحيث إذا توقف التبادل التجاري بين الأقطار العربية كلية , فإن اقتصاديات هذه الأقطار لن تصاب بأضرار محسوسة .

ثانيا : أن إنتقال رؤوس الأموال بين الأقطار العربية لازال محدودا أو معدوما بين أقطار السوق العربية المشتركة. فالإستثمارات العربية البينية ضئيلة ولم تزد عن 15 مليار دولار  خلال الفترة من 1985 حتى 2000 ( أي 15 عاما ) . .

وتبلغ رؤوس الأموال النازحة في أحصاءات عام 2000 الى نحو 730 مليار دولار . بينما ترفع مصادر أخرى حجم رؤوس الأموال العربية المستثمرة في الخارج الى تريليون دولار ( ألف مليار دولار ) . إذ يقد أمين مجلس الوحدة العربية   الإستثمارات العربية في الغرب وأمريكا بين 800 مليار و 1000 مليار دولار . ( أحمد الجويلي , التكامل الإقتصادي العربي , الأهرام و 15 يوليو / تموز 2002 ) .

وكان حجم الإستثمارات العربية في الخارج  قد تراجع من 850 مليار دولار في نهاية الثمانينات , الى نحو 675  في نهاية التسعينات بالإضافة الى 50 مليار دولار استثمارات في العقارات والأسهم وغيرها ومعظمها مودع في مصارف أجنبية في الولايات المتحدة الأمريكية . ويرجع تراجع حجم الإستثمارات العربية في الخارج الى انفاقات حرب الخليج الأولة والثانية . ( القدس العربي , العدد 3593 , 28 نوفمبر / تشرين الثاني 2000 ) .  فالإستثمار في الأقطار العربية لا يحقق الربحية القصوى التي يبحث عنها رأس المال - بحكم طبيعته - مقارنة بما هو حادث في بلدان الغرب وأمريكا . ولا توجد أي إغراءات مادية لجذب رأس المال العربي الى أي قطر عربي اللهم إلا تشجيع بؤر الفساد  داخل الأقطار العربية من خلال التزاوج بين رأس المال والسلطة السياسية ومنظمات الجريمة المنظمة وغسيل الأموال !!

ثالثا : إنتقال العمالة العربية

وإذا كان الاقطار العربية لا ترى فائدة يمكن أن تجنيها من زيادة حجم التجارة البينية أو الإستثمار فيما بين بعضها البعض , فربما يدعي البعض أن هذا لا ينطبق بنفس الدرجة على إنتقال العمالة بين الأقطار العربية , وخاصة بين الدول النفطية والدول غير النفطية . فالتقيرات المحافظة تفيد بتواجد ثلاثة ملايين عنصر من الطاقة البشرية العربية يعملون في أقطار عربية غير أقطارهم . ولكن المفارقة هي أن المستوعب الرئيسي لهذه العمالة العربية هي دول الخليج والسعودية . وهي من الدول غير المشاركة في إتفاقية السوق العربية المشتركة . ولا تتمتع هذه العمالة , في حرية  انتقالها وحقوق عملها , بالمزايا التي تنص عليها اتفاقية السوق المشتركة . أي أن هذا التفاعل البشري المكثف نسبيا , لم يتم أساسا بسبب اتفاقيات التكامل التي وقعتها هذه البلدان رسميا , وإنما في ظل عوامل السوق الكلاسيكية ( العرض والطلب ) كقرب المسافة ورخص الأجور وتشابه الخلفية الحضارية . لذلك لا تتردد السعودية ودول الخليج - مثلا - في الستعانة بعمالة غير عربية من إيران والهند وباكستان وتركيا , حيث تقرب المسافة وترخص الأجور . أو حتى إساقدام عمالة بعيدة من كوريا والفليبين , حيث يعوض بعد المسافة  تدني الأجور وإرتفاع الإنتاجية .

لقد أوضحت دراسة " نادر فرجاني " الآثار السلبية لعملية إنتقال العمالة داخل الوطن العربي . ولكن ما يهمنا في هذه الدراسة ,  هو تأثير هجرة العمالة على توليد مشاعر مضادة للوحدة العربية والتماسك العربي لدى كثير من المواطنين العربي الذين تعرضوا لآثارها السلبية . فلقد إستخدمت الأنظمة العربية النفطية عملية إستقدام العمالة كورقة في الصراعات الإقليمية التي كانت تحدث في قمة النظام الإقليمي العربي . وحتى قبل حرب الخليج كانت العمالة المصرية والتونسية ضحية للصراع الليبي - المصري , والصراع الليبي - التونسي .  لقد خلقت ظروف العمل والمعيشة التي تعرضت لها العمالة العربية في الأقطار المستقبلة على شيوع تناحرات تحتية بين المواطنين العرب من المقيمين والمهاجرين . وعندما تنشأ هذه المشاعر فإنها لا تبقى محصورة في نطاق المشاركين مباشرة في الهجرة وإنما تتسرب لدوائر أوسع من المواطنين العرب . خصوصا عندما أقدمت بعض الأنظمة القطرية المعادية للوحدة العربية في تكبير وتضخيم مثل هذه التصرفات الشاذة لضرب فكرة الوحدة العربية من أساسها ومحاصرة نفوذ الأنظمة المنافسة على مواطنيها . ( راجع بشكل خاص نادر فرجاني ,  الهجرة داخل الوطن العربي , المستقبل العربي , العدد 10 / 1983 ) . 

لقد  شكلت الخمسينات و الستينات حقبة الصراع في قمة النظام الإقليمي العربي .. ولكن حقبتي  السبعينات والثمانينات  ستعملان على   نزول الصراعات العربية  ألى تحت .. الى القاعدة .. الى المواطنين العرب أنفسهم .

وهي ضربة لم يتوقعها الوحدويون ولم يحسبوا لها  حسابها ولم يقدروا نتائجها .. وبالتالي لم يستطيعوا حتى هذه اللحظة مواجهتها ؟!!

وكانت حرب الخليج الثانية متغيرا حاسما في إنتقال وهجرة المواطنين العرب داخل الأقطار العربية.

لم يكن المواطنون  العراقيون والكويتيون   هم   الضحية الوحيدة لهذه الحرب العبثية . فبمجرد حدوث الغزو وتكاثف سحب الحرب , شهدت منطقة الخليج أكبر  وأسرع حركة إنتقال وتهجير بشرية عرفتها المنطقة . فخلال أيام قليلة  كان مئات الآلاف من البشر يتحركون في موجات خرافية  عبر الصحراء العراقية الأردنية خوفا من أهوال الحرب . وبين شهر أغسطس وشهر نوفمبر 1990 كان حوالي 700 ألف شخص يعبرون الحدود الأردنية في ظل أوضاع حياتية مزرية  على الرغم من كل جهود منظمة الصليب الأحمر .

وبعد تحرير الكويت حدثت " الجريمة الثانية " , حيث أصبح المهاجرون الفلسطينيون محط عمليات إنتقام عشوائية في شوارع الكويت دون تمييز , وأصبحت عمليات القتل والتنكيل بالفلسطينيين على الهوية أو بالهجة هي عملة يومية لبعض المليشيات الكويتية التي تأتمر بأمر عدد من أمراء صغار السن في  الأسرة الكويتية  الحاكمة . وفي خلال شهور قليلة ستختفي  الجالية الفلسطينية من الكويت , اللهم إلا بعض الأفراد ذوي العلاقة الخاصة مع أمراء الأسرة الحاكمة   ( راجع جورج قرم , إنفجار المشرق العربي 1956 - 2000 , طبعة فوليو ,  فرنسا ) .

مآساة بشرية أخرى مشابهة ستجري وقائعها في المملكة العربية السعودية , التي قررت طرد المواطنين اليمنيين العاملين أو المقيمين بها . ففي يوم 19 سبتمبر 1990 قررت الحكومة السعودية معاقبة الحكومة اليمنية على ما أعتبرته تأييدا للعراق . وهكذا قررت الحكومة السعودية طرد كل العمالة اليمنية التي لا تحمل تصريحا رسميا بالعمل .. التصريح الذي لم تكن تطلبه في السابق لدخول وإقامة اليمنيين . وخلال أيام سيتشهد الصحراء الفاصلة بين البلدين أكبر وأسرع حالة نزوح بشري حيث عبر حوالي 800 ألف مواطن يمني الحدود مطرودين إلى بلدهم دون الحصول على حقوقهم أو أمتعتهم !!

لم يكن الموقف اليمني من العراق هو السبب الوحيد لهذا العقاب الجماعي الذي نفذته السعودية .. بل كان هناك أيضا " هواجس " السعودية من دخول اليمن الى مجلس التعاون العربي .. وهناك أيضا " المخاوف " التي تلبستها بعد توحيد الشمال والجنوب في دولة واحدة صارت فجأة أكبر نظام داخل الجزيرة من حيث عدد السكان وحجم النخبة المتعلمة وفعالية البنية العسكرية . 

لقد أوضحت هذه الحرب بجلاء الجانب " الإبتزازي "  الذي تلعبه حركة الهجرة والعمالة في  داخل الوطن العربي . كل هذه النتائج - وغيرها كثير - شكلت صورة بشعة للواقع الذي أنتجته حرب الخليج الثانية في الوطن العربي والتي ستنعكس بدورها على مجمل الصراع العربي الصهيوني .

رابعا : المديونية والتبعية للغرب

مظهر أخر من مظاهر فشل الطريق الإقتصادي للوحدة العربية هو التبعية المطلقة  للغرب  إقتصاديا وسياسيا . وشكلت حرب الخليج الثانية تعميقا لحالة التبعية والإرتهان العربي للقوى الخارجية .

غذا ظهرت بجلاء ظاهرة الإستدانة من الخارج كأحد أشكال التبعية . وهكذا وجدت الدول النفطية نفسها - لأول مرة - تتشارك مع شقيقاتها العربيات غير النفطيات نفس المآساة , ونقصد مآساة " المديونية " وهموم الدين !!

فلقد أظهرت البيانات والإحصائيات السنوية الواردة في التقارير الإقتصادية الدورية منذ إنتهاء حرب الخليج الثانية قد تفاقمت عاما بعد عام منذ هذه الحرب المشئومة , بحيث أصبحت تشكل أكبر إستنزاف للموارد المالية للدول العربية يستحيل معها تحقيق أي نمو إقتصادي فاعل وبالتالي التصدي لأي مشكلة من مشكلات اقتصاديات الدول العربية المزمنة كالفقر والبطالة والتضخم وتراجع قيمة العملات المحلية الى  آخره .

وكانت أكثر التقارير المتفائلة تقدر أن المديونية العربية بشقيها الداخلي والخارجي قد بلغت مع نهاية عام 1999   (  أي عشر سنوات بعد حرب الخليج الثانية )  حوالي 375 مليار دولار و منها 156 مليار دولار ديونا خارجية و 219 مليار دولار ديونا داخلية , أي ما يعادل 41 في المائة من إجمالي الناتج المحلي العام لعام 1991 . وهذه الأرقام لا تشمل - بالطبع - الديون العراقية .التي كانت قد تجاوزت عن نفس الفترة 120 مليار دولار .

أي أن مجمل الديون العربية يرتفع بإضافة العراق الى 490 مليار دولار  و أي 78 في المائة من إجمالي الناتج المحلي العربي العام عام 1999 .

أما عن خدمة الديون ( أي الفوائد السنوية ) فكان يصل الى 11.6 في المائة وعليه فإن إجمالي الفوائد السنوية المترتبة على الديون العربية يصل الى نحو 56.9 مليار دولار سنويا . وتتوزع  ديون دول مجلس التعاون الخليجي بالإضافة لليمن على النحو التالي : السعودية 69.2 مليار دولار ( ديون عامة , القسم الأكبر منها داخلي وتشكل ما نسبته 120 في المائة من إجمالي الناتج المحلي ) . قطر 7.3 مليار دولار تعادل 60 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي . اليمن 4.9 مليار دولار . ويبلغ مجموع ديون الدول الثلاث 181.4 مليار دولار .

وتبلغ إجمالي الديون المترتبة على الدول العربية الواقعة في شمال أفريقيا  وهي ليبيا وتونس والجزائر والمغرب ومريتنانيا نحو 75.5 مليار دولار . وهي على النحو التالي : ليبيا 3.8 مليار دولار . تونس 11.3 مليار دولار وتشكل 56 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي . الجزائر 28 مليار دولار وتشكل 60 في المائة من الناتج الإجمالي . المغرب 30 مليار دولار . موريتانيا 2.4 مليار دولار . ومع الأخذ في الإعتبار معدل الفائدة السنوية فإن خدمة الديون للدول المغاربية الخمس يبلغ نحو 8.758 مليار دولار .

أما الديون المترتبة على كل من سورية والعراق ولبنان والأردن فتبلغ نحو 172.804 مليار دولار , موزعة على النحو التالي : العراق 120 مليار دولار . سورية 22 مليار دولار أي نحو 130 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي . لبنان 23.0 مليار دولار ويمثل 140 من الناتج الإجمالي . الأردن 7.304 مليار دولار .

وتقدر خدمة ديون هذه الدول بأكثر من 20 مليار دولار سنويا .

أما الديون المترتبة على كل من مصر والسودان والصومال وجيبوتي بمقدار 91 مليار دولار . وهي على النحو التالي : مصر 68.2 مليار دولار وتشكل أكثر من 75 في المائة من النانج المحلي الإجمالي . السودان 20 مليار دولار ديون قديمة . الصومال 2.6 مليار دولار . جيبوتي 200 مليون دولار . وتبلغ الخدمات السنوية لهذه الديون نحو 10.55 مليار دولار .

والسبب الرئيسي وراء إرتفاع هذه المديونية هو إعتماد الأنظمة العربية على سياسات واستراتيجيات سيساية وإقتصادية غير ملائمة وبما يتجاوز واقع الدول العربية وإمكاناتها وكذلك تضخم الإستيراد وتمويله بالإقتراض وكذلك الفساد الإداري والمالي وتدني الإنتاجية .

وهكذا تفاقمت أزمة هذه الإنظمة العربية - النفطية وغير النفطية - وإستنزفت مواردها في خدمة الين وتسديد القروض بدلا من توجيهها الى التنمية , وكذلك تمويل عمليات الإستيراد الجديدة من القروض الجديدة .

وقد أدى ذلك الى تعميق تبعية الإقتصاديات العربية للمؤسسات المالية الدولية وفي نفس الوقت قيام مؤسسات الإقراض الدولية بإستغلال حاجة النظام الإقليمي العربي الى القروض الجديدة لفرض شروط إقتصادية وسياسية وإجتماعية مجحفة وغير متناسبة مع ظروف هذه الدول مما أدى الى حدوث كثير من الهزات الإقتصادية والإجتماعية الخطيرة . وقد تمثل هذا في استنزاف احتياطات الدول العربية من العملات الأجنبية مما أدى الى تراجع اسعار صرف العملات المحلية وتراجع قيمتها .

وهكذا تدهور النمو الإقتصادي وتراجعت معدلات الأجور مما أدى الى تفاقم ظاهرة الفقر والبطالة في هذه االبلدان وما يصاحبها من دفع أصحاب الكفاءات والطاقات العربية للهجرة الى الخارج بحثا عن فرص عمل أفضل . وهنا تكون الخسارة مزدوجة تتمثل في خسارة تأهيل هذه الكوادر وكذلك خسارة مجهوداتهم بعد أن أصبحوا منتجين .

وفي هذا السياق تؤكد الإحصاءات المتوفرة أن الدول العربية تساهم بنحو " الثلث " في هجرة أصحاب الكفاءات العلمية في البلدان النامية . وبمقارنة حركة الهجرة بمجموع خريجي الجامعات العربية , لوحظ  هجرة  50 في المائة من الأطباء و 23 في المائة من المهندسين و 15 من العلماء و ومعظم هؤلاء يتوجهون الى الولايات المتحدة وكندا ودول أوروبا الغربية واستراليا .

كما أنه في الوقت الذي تستمر فيه المديونية العربية في التفاقم , تواصل رؤوس الأموال العربية زحفها الى الأسواق الغربية ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية بحثا عن الإستقرار والأمان والربح.

خامسا : لأن التكامل الإقتصادي والوحدة الإقتصادية تتطلب أن يكون هناك قرارات وممارسات ذات طابع سياسي من طرف النخب الحاكمة لفرض هذا التكامل الإقتصادي . وهذا يعني أولوية السياسي على الإقتصادي . ( ينبغي الرجوع في هذا الموضوع بالذات الى الدراسة الموسوعية التي قدمها نديم البيطار حول هذا الموضوع والمعنونة: النظرية الإقتصادية والطريق الى الوحدة العربية و معهد الإنماء العربي , بيروت . فقد دلل البيطار في هذه الدراسة  على " مثالية " الطريق الإقتصادي في الإنتقال من التجزئة الى الوحدة عبر تجارب التوحيد القومي عبر التاريخ مع تحليل خاص لتجربة الوحدة الأوروبية وتبيان أولوية السياسي على الإقتصادي في هذه التجربة ) .

الخلاصة : أن  أولوية الطريق الإقتصادي للوصول الى الوحدة العربية  ليس سوى وهم يعشش في بعض العقول الغافلة ..  وهم يعارضه الإقتصاديون المؤمنون بالوحدة العربية من واقع خبرتهم بالإقتصاديات المجزأة ودور العوامل السياسية في التأثير في العوامل  الإقتصادية . ( يمكن بشكل خاص الرجوع للندوة التي أجرتها مجلة المستقبل لصفوة من رجال الإقتصاد  العرب الوحدويين بعنوان : الفكر الإقتصادي وتعثر مسيرة الوحدة , المستقبل العربي , عدد 12 , 1980 ) .

السؤال السادس : وحدة عربية بدون حزب وحدوي ؟

43 -  استطاع الرئيس " عبد الناصر " بشخصيته الاستثنائية تحقيق حالة  من التأييد الشعبي والنضالي   بل وتنظيمي -  حول  مسعاه الوحدوي  , ولكن هذه الحالة انهارت تماما في السنوات الأخيرة وتفتت الحركة الوحدوية  الى " حركات  متعددة متناحرة في داخل  الوطن  العربي ككل وفي داخل كل قطر على حدة . كيف يمكن لتيار ينادي " بالوحدة " أن يعجز عن " توحيد " صفوفه ومواجهة أعداءه وخصومه ؟

ان المنطق السياسي بسيط في هذه المسألة بالذات : هل يمكن بناء وحدة عربية بدون حزب وحدوي يحشد وينسق ويناضل من أجل الوحدة العربية في كل الأقطار ؟

إن غياب هذا الحزب هو النفي العملي على مسألة الوحدة العربية .

وبدون حزب وحدوي لا يمكن الحديث - جديا - عن الوحدة العربية .

44 - والواقع أن الفكر  السياسي العربي خلال الأحقاب الثلاثة الأخيرة ( حقب النكسة الوحدوية ) ركز على أهداف أخرى أكثر إلتصاقا بالواقع اليومي للحياة السياسية في الأقطار , وبشكل خاص هدف الديمقراطية والحرية السياسية . وقد أدى هذا الى خلاف فكري وسياسي  حول طرق وأدوات ووسائل الوصول الى الوحدة العربية . فهناك تيارات تعتبر أن الوحدة هي بداية كل نضال أو جهد . بينما يعتبر البعض أن الوحدة هي محصلة نهائية لمجمل النضالات والتطورات الأخرى من إقتصادية وديموقراطية .

وقد دافع دعاة الديمقراطية - بشجاعة - عن أولوية النضال من أجل  الديمقراطية في الوقت الحالي , أملا أن يؤدي تحرير الجماهير العربية من الإستبداد الى إنتقالها - دون شك - الى الوحدة السياسية .

ولكن الواقع العملي يثبت أن إنتقال بعض  الأقطار العربية  الى أشكال من الإنفتاح السياسي المحكوم و لم ينشأ عنه - تلقائيا - تحسن في الوضع أداء النظام الإقليمي العربي على المستويات الأخرى من إقتصادية وسياسية وعلى مستوى المواجهة مع المخاطر الخارجية .

فالمحصلة النهائية  لثلاثين عاما من  التركيز على النضال الديمقراطي  القطري ( بمفهومه الضيق ) لم تنتج سوى تبعية كاملة  لأمريكا وهيمنة كاملة للتحالف الصهيوني - الإستعماري  .

ومن الطبيعي أن يعكس هذا التباين في الأولويات والأهداف نفسه في المسألة التنظيمية . أي على طبيعة الآداة السياسية والنضالية التي تؤدي الى هذه الأهداف .

45 - إلا أنه من الواضح . والملفت للنظر أيضا , أن المناقشات حول المسألة التنظيمية , قليلة جدا وذات طبيعة تقريرية , حيث أن كل تيار فكري أو سياسي يقرر الشكل التنظيمي الذي يؤاه مناسبا ومنسجما مع أيديولوجيته أو نظريته السياسية دون أن يكلف نفسه عناء مناقشة التيارات الأخرى منطلقا من هذه الناحية بالذات . وربما يعود النقص في المناقشات حول ( المسألة التنظيمية ) في الفكر السياسي العربي , الى إنحصار هذه المناقشات داخل النخب الحزبية دون خروجها بشكل كاف الى جمهور المهتمين بهذه القضايا . أو نتيجة  لترفع  غالبية أفراد النخبة المثقفة  عن الدخول في العمل الحزبي والسياسي تحت وهم " الحياد الفكري " أو " الموضوعية العلمية " .. وهو موقف عقيم - في رأينا- ويعكس عدم نضج فكري وسياسي . فالمجتمعات لا تتحرك  بالأفكار العظيمة ولكن بالعمل السياسي المكثف . وبقدر نضج السياسة والسياسيين تتسارع عملية التطور أو تتباطئ .

لذلك فهذا الحديث ليس موجها للذين يعتقدون أنه يمكن تحقيق الوحدة بدون حزب وحدوي . وهو حديث غير معني بالذين يعارضون هذه الفكرة أو مجادلتهم . وهو حديث غير معني بالذين يتلكأون في المقاهي والصالونات إنتظارا لأن تكون الأمور على أرفع  مستوى وأدق ترتيب حتى يتقدموا الصفوف ويضعون توقيعاتهم الكريمة ومباركتهم المقدسة على الوثائق .

46 - إذا كان هذا الحديث واضحا , وهو في رأينا واضح بدرجة كافية لا تحتمل التفسير , فإن هذا سيحرق مسألة النقاش و البحث في ضرورة الحزب  الوحدوي أو عدمه . وينقلنا الى الصعوبات التي تقف أمام  قيام هذا الحزب .

وقد حددت  " معن بشور "  هذه الصعوبات في دراسته المنشورة بعنوان : التنظيم القومي الموحد , الضرورات والإمكانات " عام 1979.

ومنذ هذا التاريخ , ومن قبله نداء الرئيس عبد الناصر لبناء الحركة العربية الواحدة عام 1963, وكتابات " عصمت سيف الدولة " عن الحركة العربية الواحدة والتنظيم القومي بعد نكسة يونيو / حزيران 1967 , لم تثر مناقشات جدية حول هذا الموضوع .

ولعلني هنا أعيد كتابة ما كتبه " معن بشور " في دراسته عن الصعوبات لفتح النقاش في الموضوع وتحفيز النخبة الوحدوية على الحوار في موضوع يجري التهرب منه في غالب الأحيان لأسباب بعضها معلوم وأكثرها مجهول ؟!!

صعوبات بناء الحزب الوحدوي

أولا : ظروف التجزئة في العالم العربي وما أدت إاليه من ضعف  وسائل الإتصال بين الأقطار وتجريم هذه الإتصالات فيما لوحدثت . وتشتد هذه الحواجز إرتفاعا كلما إشتد زخم النضال في أحد الأقطار واتسعت فعاليته كي تمنع إنتقاله وتأثيره الى القطر الآخر . كذلك لجزء عدد من المناضلين الوحدويين الى النضال القطري والإنغماس فيه نتيجة الظروف المفروضة عليهم أو للإيمان الوهمي بأن تحسين الشروط السياسية في القطر ستؤدي " تلقائيا " الى الإنتقال للنضال القومي . وقد أدى هذا الإتجاه الى ضعف الوحدة الفكرية بين المناضلين في الأقطار وتوزع أولوياتهم وتفاوت المستوى والتهرب من الإلتزامات المركزية القومية .

خصوصا في  ظل غياب صحيفة مركزية وتثقيف مشترك وخطة نضال قومية  واحدة .

والنتيجة الطبيعية لكل هذا أن النضال القطري لم يتحسن بحال من الأحوال بل زاد الطين بله وتكون الشلل والتجمعات القطرية المتصارعة والمتناحرة والهامشية  .

ثانيا : أن النضال القطري يفرض اسلوبا من خاصا من التحالفات والمناورات والإستراتيجيات المتعارضة  في ظل غياب استراتيجية مركزية قادرة على ضبط الأداء , فالتنوع في المهام وظروف من نضال ديمقراطي علني , الى نضال مسلح ضد المحتل الأجنبي , أو النضال من أجل مكاسب إجتماعية يعكس نفسه في أسلوب عمل المناضلين من أجل الهدف النهائي وهو تحرير وتوحيد الأمة العربية . ولكنه في الوقت نفسه يكون تفاوتات نفسية . ففي ظروف المواجهة اليومية مع الموت في الكفاح المسلح تنشأ لدى المناضل ثقة كبيرة بالنفس , التي إذا لم تترافق مع وعي كبير , فيمكن أن تؤدي الى أحساس بالذاتية والتعالي في التعامل مع المناضلين في المستويات الأخرى أو الأقطار الأخرى الذين يمارسون النضال الديمقراطي العلني القائم على الجدل النظري أساسا . ان هذا التباين يسهم في تشكيل القاعدة الفكرية والسياسية والتنظيمية وحتى النفسية , للتشقق والتمزق داخل التنظيم القومي ذاته وعلى أسس قطرية في كثير من الأحيان .

ثالثا : ان مهمة قيام الحزب الوحدوي تواجه بمقاومة من الأحزاب والتنظيمات القطرية ذات التوجه الوحدوي . فبعض هذه الأحزاب والمنظمات إرتبط بمصالح قيادات وزعامات تاريخية - وغير تاريخية - وهي غير مستعدة للتنازل عن مكاسبها وخصوصيتها ورصيدها لصالح عمل قومي أكبر يمكن أن يعرضها للضياع أو التحلل !!

وتزداد هذه الصعوبة في حالة " مصر " . فموقع " مصر " ودروها الجيوسياسي يجعل لما يحدث فيها تأثير كبير على ما في خارجها . ولقد ثبت بالدليل العملي " الدور " السلبي "  الذي لعبته بعض القوى الوحدوية في مصر على النخب الوحدوية خارجها والتي تنوعت مواقفها من الإنتظار السلبي لتغيير سياسي في مصر الى التورط في علاقات مشوهة مع بعض القوى والتيارات الوحدوية الفاشلة داخلة مصر . . فأي حزب وحدوي لا تكون مصر فيه ولا يكون لمصر دور بارز فيه سيكون محروما من قوة الدفع الرئيسية في الوطن العربي. ( معن بشور , التنظيم القومي الموحدو الضرورات والإمكانات , المستقبل العربي , عدد 5 , 1979 ) .

47 - من هنا تبدو لي  أزمة  القوى الناصرية في مصر أمرا يهم كل وحدوي  يناضل من أجل الوحدة العربية ويضع قضية الحزب الوحدوي في قمة جدول أعماله .

ان الناصريين كانوا , وما يزالون , أكثر انتشارا على المستوى الشعبي من أية قوى أخرى .. وكان عليهم أن يتحولوا من تيار شعبي غير منظم إلى قوى جماهيرية منظمة . إلى حزب . ولكنهم كانوا يواجهون في سبيل ذلك عدة عوائق ذات طبيعة نظامية وتاريخية لم يواجهها ولا يواجهها مجتمعة حتى الآن أي تيار آخر . منها عداء اللأنظمة لهم  وإنكار شرعية التنظيم عليهم . ومنها غياب الخبرة بالتقاليد التنظيمية لدى الجيل الجديد . ومنها افتقاد قيادة محورية مقبولة من الجميع . ومنها الناصريون " الرماديون " الذين أرادوا أن يكونوا ساداتيين فعلا جلبا للكسب الحالي وناصريين قولا ليستحقوا الكسب المحتمل , فأضعفوا أثر الفرز الحاد الذي كان كفيلا  بأن يخدم هدف التحام الناصريين قولا وعملا في حزب . ومنها أخيرا وليس آخرا عقبة كيفية التنظيم .  الصيغة التقليدية هي أن تلتقي أقلية من الصفوة على مبادئ يصوغونها ثم يدعون الناس الى الالتحاق بهم , أو يستقطبونهم أفرادا حتى يكون للهرم الذي بدأ من قمته قاعدة جماهيرية كافية لحمل ثقل مبادئه فبيستقر .

48 - مشكلة الناصريين أنهم يكونون قاعدة جماهيرية عريضة لا بد أن يبدأ منها بناء هرمهم التنظيمي . وهي مشكلة عويصة لأنها كانت تقتضي قبل أي بناء تنظيمي التحقق من أن كل فرد من القاعدة ناصري . وكان هذا التحقق يفتقد المعايير الموحدة كما يفتقد الحكم المقبول من الجميع أو حتى من الغالبية ليتولى الفرز على ضوء تلك المعايير . ولقد استطاع الناصريون أن يتحولوا عن طريق تفاعل قريب الشبه من التفاعل الكيميائي من أفراد ( ذرات ) الى جماعات    ( بلورات ) وأن تتجمع البلورات في كتلة ( حزب تحت التأسيس ) يقاوم ذوبان كل أفرادها وجماعاتها أفراد وجماعات .    " (  عصمت سيف الدولة :  عن الناصريين .. وإليهم ) .

لكن ما الفائدة التي قد يجنيها  الناصريون  من بناء حزب ناصري إقليمي  في مصر ؟

المنطق الإقليمي !!

49 - لقد  رأى القوميون أنه واجب قومي عليهم نحو أمتهم أن يبذلوا كل ما يستطيعون من جهد للإسهام أو المساعدة على أن يلتحم الناصريون  في مصر في تنظيم هو القادر بجماهيره على أن يحسم المعركة ضد الردة لصالح مصر العربية كما يمكن أن يكون في مرحلة لاحقة وبعد النصر في الإقليم القاعدة قابلا للنمو تنظيما قوميا .

 فالحزب الذي راهن على دوره كل الوحدويين وإنتظروه لم يحقق الآمال التي عقدت عليه ولم يف حتى بعزاء الصبر  في إنتظار الفرج  الذي حلموا به !!

لسنا بصدد التقييم هنا   لما حدث  داخل الحزب الناصري في مصر .  فليس هذا هدفنا من هذا الكتاب  .

 وإن كانت المؤشرات التي تخرج من مصر تؤكد على عمق الأزمة التي يعيشها التيار الناصري تنظيميا وجماهيريا

50 - يكفي أن نقول أن الناصريين " الرماديين " لم يسعوا لحظة واحدة لتحديد من هو الناصري ومن  هو غير الناصري وفق معيار موضوعي غير ذاتي أي على أسس منهجية وفكرية محددة.

لقد دخل الناصريون المصريون  حزبهم وكل منهم يحمل مفهوما ذاتيا وخاصا " للناصرية " فكان لابد والحال هكذا أن يتمزق الحزب وينفرط عقد الناصريين داخله وخارجه . وكان من الطبيعي أن يحتل   " الناصريون الرماديون "  المواقع والمناصب التي تؤهلهم لها              " ناصريتهم " الصارخة الزاعقة  في مواجهة من فضلوا العمل للناصرية فكرا وعملا وجهدا دون ضجيج أو تعالي أو إدعاء .

هذا من ناحية .

51 - من ناحية ثانية  عاشت التنظيمات الناصرية  نفس المرض الذي عانت منه الحركة الشيوعية العربية , فقد  كانت تنظيماتهم تولد على أسس قطرية , وتنمو وتنقسم وتموت على  ذات ألأسس القطرية الضيقة  التي نشأت عليها , أي في غياب مؤسسة أو حزب قومي  يمكن الرجوع له  أو الإحتكام اليه.

ورغم كل التحذيرات التي كانت توجه للناصريين في مصر وخارجها بعد وفاة عبد الناصر -  بضرورة حسم البناء التنظيمي على المستوى القومي قبل الشروع في بناءات تنظيمية قطرية خوفا مما يكتنف النشأة القطرية من مخاطر ليس أقلها  على أية حال خطر التشرزم والإنقسام .

ولكن راحت كل هذه التحذيرات أدراج الرياح مع إغراءات النصر المؤقت على  المستوى القطري أو بسبب الغرق في الهموم القطرية  ومخاطرها .

منذ أكثر من ربع قرن أجل الناصريون  في مصر وخارجها بناء مؤسستهم القومية الواحدة متأثرين " بوهم منطقي "   عن  ضرورة الإنتشار جماهيريا وتنظيميا على المستوى القطري قبل الإنطلاق  على المستوى القومي .

52 - ونستطيع أن نقول بكل ثقة أن هذا المنطق فشل بجدارة منقطعة النظير . فبعد ربع قرن من الإجتهادات التنظيمية القطرية يجد الناصريون أنفسهم ينمون بطريقة عكسية .فبدلا من النمو الذي توهموه , أي من المتعدد الى الواحد , من القطري الى القومي ..  صاروا يتناسلون من الواحد الى المتعدد  في داخل كل قطر  على حدة  , وضاع منهم  هدف التنظيم القومي أو كاد !!

هل هناك حل ممكن في الظروف الحالية   لإشكالية  التمزق الناصري؟

53 - نعم ان ما نطرحه  بهذا الصدد بسيط وممكن   . وهو أن يتجمع الناصريون بأحزابهم وتنظيماتهم وتجمعاتهم وأفرادهم في مؤسسة  علنية ذات طابع قومي وديمقراطي .

وهي قومية من حيث ان الإنتماء اليها يكون مفتوحا لأي تجمع ناصري قطري دون قيد أو شرط . وهي قومية من حيث أن الإنتماء اليها يكون مفتوحا لمن يطلبه تنظيميا جماعيا أوفرديا  دون شروط مسبقة سوى الإنتماء للبرنامج الناصري كما صاغه ميثاق العمل الوطني الذي كتبه الرئيس عبد الناصر عام 1961  في جانبه القومي مع استبعاد ما تجاوزه الواقع العربي من تفصيلات قطرية منذ رحيل الرئيس عبد منذ ثلاثين عاما .

ما ندعو له يشابه الى حد كبير تجمع الأحزاب الإشتراكية الأوربية أو احزاب الإشتراكية الأوربية  وأحزاب البيئة الأوربية التي تضم شخصيات عامة  و تجمعات تنظيمية وحزبية مختلفة الأشكال والإهداف  . ان هذه التجمعات الأوربية  نجحت الى حد كبير في الإتفاق على أهداف عامة والتنسيق فيما بينها بشكل فعال في الإنتخابات البرلمانية خصوصا إنتخابات " البرلمان الأوروبي " . ولعل التنسيق بين جماعات البيئة الأوروبية ودورهم في البرلمان  هو خير نموذج يمكن أن يقترب من ظروف التيار الناصري بإعتبارهما  تيارين  ناشئين حديثا  ويتمتعان  بحيوية تنظيمية غير منكورة .

54 - نحن نعتقد ان مثل هذه المؤسسة لن  تشكل بديلا   تنظيميا عن الحزب القومي الوحدوي  , ولكنها  إمكانية متاحة للناصريين على إختلاف ساحاتهم القطرية -  تساعدهم  على التلاقي وإدارة الحوار الديمقراطي والتفاعل التنظيمي والتنسيق السياسي في المواقف القومية والحوار مع القوى والتيارات القريبة منهم .. وهكذا . على أن يكون هدفها الإستراتيجي الذي تتوخاه في برنامج عملها وفي أهدافها القريبة , والذي يجب ألا يضيع منها أبدا هو هدف بناء الحزب القومي الواحد . 

المسألة ليست سهلة كما قد يتصور البعض . ففي مواجهة هذه المؤسسة ستقف عقبات عديدة منها  : الإمكانيات المادية اللازمة لنشأة هذه المؤسسة وشكل بناءها وإدراتها وشروط الإنضمام لها وكيفية حمايتها من  الإنحرافات والعناصر المخربة داخلها وكيفية  مواجهة  خصومها وأعداءها الخارجيين.. وهكذا .

ولكن إذا أخذنا في الإعتبار أنها مؤسسة علنية ومفتوحة للجميع فإنها تصبح تجربة مهمة في مسار العمل القومي  لن  يحسب فشلها لاقدر الله -  على الهدف الإستراتيجي : الحركة العربية الواحدة. أما اذا  نجحت فإنها ستقرب الناصريون والوحدويون من  تحقيق  الهدف الإسترتيجي الذي يعملون  له جميعا , أي الوحدة العربية  .

السؤال السابع  : هل هناك عوامل تدفع الى  الوحدة  العربية في السنين  القادمة ؟

55 - نعم   الواقع أني لدي قناعة شخصية  في ان العوامل الدافعة باتجاه الوحدة العربية  قد أصبحت الآن أكثر مما كانت عليه في العقود الأربع السابقة ( أي منذ انهيار تجربة الوحدة بين مصر   وسوريا ) على الرغم من الصورة القاتمة التي تميز الواقع العربي الراهن والذي تشرزم بشكل غير    معهود منذ حرب الخليج الثانية كيف؟

أولا : أن العالم العربي اصبح يشهد درجة عالية من الاستواء الاجتماعي والاقتصادي لم تكن متوافرة في حقبة الخمسينات والستينات حيث كان التفاوت الحضاري والاجتماعي بين الأقطار العربية يقف حجر عثرة أمام عملية التوحيد . لقد مكنت الدخول النفطية والهجرة داخل الوطن العربي وخارجه الى تحقيق مستويات عالية من النمو الاقتصادي وتطوير المؤسسات الاجتماعية والتعليمية والصحية والخدمية . ان المقارنة السريعة  للأحوال الاجتماعية في  على بلدان المغرب  أو المشرق  أو بلدان الخليج أو مصر لا تكاد تلمح فروقا كبيرة في درجة الاستواء الحضاري كتلك التي كانت موجودة قبل أربعين عاما .

   ثانيا : ان العالم العربي الذي كان قد شهد تميزا واضحا في النخب الثقافية والفكرية والسياسية لبلدان المشرق العربي ومصر في الخمسينات والستينات وربما السبعينات أصبح يشهد الآن  ظاهرة نضج  وتطور " مذهل " للنخب  المثقفة في بلدان المغرب والخليج العربي والسعودية واليمن . فلقد ساهمت الدفقة البترولية بعد حرب أكتوبر الى توسع هائل في الخدمة التعليمية وحدوث " طفرة " هائلة في تركيبة  النخب المتعلمة في هذه الأقطار وانفتاحها على أفكار وتيارات حديثة الأمر الذي يشكل في رأينا نقلة استراتيجية في مستوى الوعي العام في هذه الأقطار . صحيح أن هذه "  النخب الجديدة " لم تأخذ بعد زمام المبادرة والفعل في هذه الأقطار نظرا لسيطرة  القيم العائلية والعشائرية أو القبلية , إلا أن السنين القادمة ستشهد  - حتما -  دورا متصاعدا لهذه النخب وينضج كثير من مفاهيمها عن  الأمة والوطن والمواطنة والعقلانية السياسية  وحقوق الإنسان والرشادة الاقتصادية وغيرها  من المفاهيم التي تضغط على الوطن العربي منذ أكثر من عقدين  وتتصاعد  في  ذهن النخب العربية ويحقق درجة عالية من  التقارب المفاهيمي والفكري والشخصي .

   ثالثا : ان العقود الثلاثة الفائتة ( السبعينات والثمانينات والتسعينات ) شهدت درجة عالية من السيولة والاختلاط بين النخب الفكرية  العربية وبعضها البعض عبر المهرجانات والتظاهرات الأدبية والفنية والثقافية والسياسية  التي تقام في كل بقاع العالم العربي , والنمو الهائل في وسائل الإعلام والصحافة المحلية أو المهاجرة واستضافتها للكتاب العرب من مختلف الأقطار العربية       ( التي ساعدت عليها أيضا الدفقة المالية البترولية لبعض الأقطار العربية ). صحيح أن حرب الخليج الثانية ضربت هذه الظاهرة ضربة موجعة  بما مثلته من استنزاف  اقتصادي للبلدان النفطية           ( التي كانت تستضيف غالبا هذه التظاهرات ) وبما نتج عنها من استقطاب داخل النخبة العربية المثقفة بسبب مواقفها من هذه الحرب .

لكن يمكننا  القول ان  هذه النخب  بات يتولد داخلها الإحساس  مرة أخرى -  بضرورة تجاوز آثار هذه الحرب واستئناف مشروعها الثقافي والسياسي خارج الإطر الضيقة  التي ترسمها لهم  النظم القطرية .

   رابعا : ان التطور المذهل في وسائل الاتصال والفضائيات والإنترنت , عمل على تهشيم الحدود القطرية وأطلق المواطن العربي  من سيطرة الفكر الواحد للدولة الحاكمة . فمهما بلغت سيطرة الإعلام الحكومي وتحكمه ,  لم يعد قادرا على حجب المعلومات أو احتكارها أو منعها من الدخول أو مراقبتها على الحدود .

ان الرقابة على الصحف والمطبوعات والمنشورات ومنع ما قد يسيئ منها للنظام الحاكم سقطت للأبد مع دخول  العالم العربي عصر الفضائيات والإنترنت . ان المعلومة التي قد تمنعها الأنظمة القمعية لن تلبث أن تصل للمواطن العادي في غرفة نومه بواسطة الفضائيات أو عبر الإنترنت والفاكس  .

ان القوى الوحدوية لم تتلمس حتى هذه اللحظة  أهمية التعامل مع  ثورة المعلومات وما  تتيحه لها من إمكانيات ضخمة في التواصل عبر وفوق الحدود الإقليمية من خلال الإنترنت  وفي خلق تيار شعبي  واسع مؤيد للوحدة العربية في الأقطار المختلفة عبر الفضائيات المستقلة داخل الوطن العربي وخارجه . ولكن لن يطول هذا القصور فقوانين العصر القادم ستفرض نفسها على الجميع .

إن  مفهوم  الأمن السياسي في الوطن العربي سيتغير حتما مع هذه الثورة الإعلامية . ان الأمن الوقائي ( بمعني محاصرة الأفكار والمعلومات ومراقبة تسربها ) سيفقد دوره تدريجيا مع تطور وانتشار وسائل الاتصال الجديدة , وسيجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما : إما التركيز على وسائل  القمع المباشر لكبت أي احتمالات للتغيير والثورة أو القبول بإصلاحات واسعة  ( وإن كانت    متدرجة ) في بنيتها السياسية تضمن مشاركة أوسع في القرار السياسي والثروة الاقتصادية .

   رابعا : ان المتابعة الدقيقة للحياة السياسية في الأقطار العربية  كلها وبدون استثناء تنبئ عن اتجاه " خجول ومتردد " نحو الانفتاح السياسي و نحو إعطاء جرعات متدرجة من الحرية السياسية

هذا الانفتاح السياسي " الخجول " يجد دوافعه فيما ذكرناه سابقا عن نمو ونضج النخب المثقفة وأتساع حاجاتها في التعبير عن نفسها وامتلاكها " للوعي النقدي "  وسعيها  الى المشاركة في القرار السياسي واستفادتها  النسبية من تطورات الثورة الإعلامية  .

56 - ان السنوات العشر القادمة ستحمل مفاجآت كثيرة في الوطن العربي . ولعل أولها غياب عدد من القيادات التقليدية في العالم العربي  وانفتاح المجال أمام نخب جديدة في حكم الأقطار العربية تعيش عصرها ولغته بمنطق وعقلية مختلفتين عن القيادات السياسية المحافظة في الحكم أو المعارضة .

نضوج  كل هذه الاتجاهات " الإيجابية "  و " التحكم " في مساراتها ووصولها الى منتهاها سيضع حتما مسألة الوحدة العربية على رأس جدول أعمال القوى السياسية الوحدوية . بشرط أن تنجح  في انتهاج أسلوب علمي وواقعي في العمل الوحدوي  ولكن كيف ؟ 

هذا هو المأمول من هذه الندوة  أن تجيب عليه ؟

والله الموفق .